قال أبو العالية: وكان السبب في ذبح الأبناء، أن الكهنة قالت لفرعون: سيولد العام بمصر غلام يكون هلاكك على يديه، فقتل الأبناء. قال الزجاج: فالعجب من حمق فرعون، إن كان الكاهن عنده صادقا، فما ينفع القتل؟! وإن كان كاذبا فما معنى القتل؟! [1] معنى (البلاء)
قال ابن كثير: وَأَصْلُ الْبَلَاءِ - أي في اللغة: الِاخْتِبَارُ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ. ا ه [2] [ولذلك قيل: بلوت فلانا: إذا اختبرته، وسمّي الغم بلاءً من حيث إنه يبلي الجسم، قال تعالى: {وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} (البقرة/ 49) ، {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ .. } الآية (البقرة/ 155) ، وقال عزّ وجل: {إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ} (الصافات/ 106) ، وسمي - أحدها: أن التكاليف كلها مشاق على الأبدان، فصارت من هذا الوجه بلاء. - والثاني: أنّها اختبارات، ولهذا قال الله عزّ وجل: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ} (محمد/ 31) . - والثالث: أنّ اختبار الله تعالى للعباد تارة بالمسار
ليشكروا، وتارة بالمضار ليصبروا، فصارت المحنة والمنحة جميعا بلاء، فالمحنة مقتضية للصبر، والمنحة مقتضية للشكر. والقيام بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق الشكر فصارت المنحة أعظم البلاءين، وبهذا النظر قال عمر: (بلينا بالضراء فصبرنا وبلينا بالسراء فلم نشكر) ، ولهذا قال أمير المؤمنين على: من وسع عليه دنياه فلم يعلم أنه قد مكر به فهو مخدوع عن عقله. وقال تعالى:
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً (الأنبياء/ 35) ، {وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا} (الأنفال/ 17) .. وقوله عزّ وجل: {وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} (البقرة/ 49) ، راجع إلى الأمرين، إلى المحنة التي في قوله عزّ وجل: {يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ} (البقرة/ 49) ، وإلى المنحة التي أنجاهم فيها من فرعون وعمله، وكذلك قوله تعالى: {وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلاء مُبِينٌ} (الدخان/ 33) ، راجع إلى الأمرين: المنحة والمحنة، قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً
(1) زاد المسير في علم التفسير (1/ 63)
(2) تفسير ابن كثير ت سلامة (1/ 259)