فهرس الكتاب

الصفحة 277 من 604

أمرهم سبحانه بالذكر الذي يثبت بالعمل، ووصله بذكر فائدته وهي إعداده النفس لتقوى الله - عز وجل -، فقال: {لعلكم تتقون} ، فإن المواظبة على العمل بما يرشد إليه الكتاب تطبع في النفس ملكة مراقبة الله - تعالى - فتكون بها نقية تقية، راضية مرضية {والعاقبة للتقوى} .

وبعد أن ذكر لهم تلك الآية، وما اتصل بها من الهداية، ذكَّرهم بما كان منهم من التولي عن الطاعة والإعراض عن القبول، ثم امتن عليهم بما عاملهم به من الفضل والرحمة، والصفح عما يستحقونه من المؤاخذة والعقوبة، فقال: {ثم توليتم من بعد ذلك} أي ثم أعرضتم وانصرفتم عن الطاعة من بعد أخذ الميثاق ومشاهدة الآيات التي تؤثِّر في القلوب، وتستكين لها النفوس {فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين} أي إنكم بتوليكم استحققتم العقاب، ولكن حال دون نزوله بكم فضل الله عليكم ورحمته بكم، ولولا ذلك لخسرتم في الدنيا والاخرة. [1]

أقول: ففضل الله ورحمته هنا غما بمعنى توفيقهم للتوبة وقبولها منهم أو إعطاءهم فرصة ثانية واختبارهم برسالة محمد عليه السلام. فالخطاب إما على متابعة السياق في الحديث عن بني إسرائيل أسلاف اليهود وجرائمهم الفظيعة وإمهال الله تعالى لهم، واتباع أخلافهم لهم في غيهم .. وإما لليهود المعاصرين لرسول الله ومن يأتي بعدهم في وجوب مخالفة من سبقهم في كفره وضلاله واتباع رسالة خاتم الأنبياء.

وعلى كلٍ فالخطاب على عمومه وتجدده لكل كتبع لنهج أولئك اليهود إلى يوم كُفِرَ

قال القشيري:

أخذ سبحانه ميثاق جميع المكلّفين، ولكنّ قوما أجابوا طوعا لأنه تعرّف إليهم فوحّدوه وقوما أجابوه كرها لأنه ستر عليهم فجحدوه، ولا حجّة أقوى من عيان ما رفع فوقهم من الطور- وهو الجبل- ولكن عدموا نور البصيرة، فلا ينفعهم عيان البصر. قال الله تعالى"ثم توليتم من بعد ذلك"، أي رجعتم إلى العصيان بعد ما شاهدتم تلك الآيات بالعيان، ولولا حكمه بإمهاله، وحلمه بأفضاله لعاجلكم بالعقوبة، وأحلّ عليكم عظيم المصيبة ولخسرت صفقتكم بالكلّية. [2]

وإنما قال: (ميثاقكم) ولم يقل مواثيقكم لوجهين، أحدهما: أراد به الدلالة على أن كل واحد منهم قد أخذ ذلك الميثاق منه زيادة في تأكيد المعنى وخصوصية الخطاب؛ كما قال تعالى: {ثم يخرجكم طفلا} (غافر: 67) أي كل واحد منكم. والثاني: أنه كان ميثاقا واحدا بشروط واحدة اخذت على الجميع؛ فعبر عنه بالمفرد، والله أعلم. [3]

(1) تفسير المنار (1/ 282)

(2) لطائف الإشارات = تفسير القشيري (1/ 96)

(3) مستفاد من تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (3/ 538) بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت