فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) (سورة البقرة)
وهذا موقف آخر من مواقف العنت والعناد، من هؤلاء القوم مع الله، ومع آيات الله، حيث لا تزيدهم الآيات إلا كفرا، ولا يزيدهم النور إلا عمى.
لقد قتل في القوم قتيل فادّارءوا فيه: أي اختلفوا في التعرف على قاتله، إذ رمى بعضهم بعضا به، ودفع بعضهم بعضا إلى موقف الاتهام فيه.
ولجأ القوم إلى موسى يسألونه آية تنطق القتيل باسم قاتله، وهم يريدون بهذا أولا وقبل كل شئ، امتحانا لموسى، واستيقانا من دعواه أنه رسول الله، وكليم الله!.
فحتى في محنتهم وحيرتهم يستغلون المواقف من أجل اللجاجة في الإيمان وزعزعة اليقين باختباراتهم الخائبة لرسول الله موسى عليه السلام.
وتجئ آية الله من وراء ما يقدّر القوم، فتدور لها رءوسهم، وتضطرب لها عقولهم.
ينقلب السحر على الساحر. وامتحانٌ بامتحانٍ. فقط لبيان إمعان القوم في الجدل العقيم والتشكك والتشكيك في الحق، ورفض الطاعة والانقياد لله ورسوله.
يقول لهم موسى ما أمره الله به: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً» ! ويذهل القوم ويدهشون! ما للقتيل وقاتله وهذه البقرة التي يؤمرون بذبحها؟ المسافة كما تبدو في ظاهر الأمر بعيدة جدا، بين السؤال وجوابه، وبين المطلوب والأسباب الموصلة إليه! ثم إنهم طلبوا آية، فهل في ذبح بقرة من البقر آية؟.