فهرس الكتاب

الصفحة 306 من 604

والأمر هو اختبار لقوة اليقين في الله تعالى وطاعته وطاعة رسوله، ولكن لسوء أدبهم وسخف عقولهم وماديتهم التي أهلكتهم يرى القوم كأن موسى يعبث بهم، فيقولون له: «أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا» ؟

يجيبهم موسى عليه السلام في قصتنا قائلًا: «أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ» - إن العبث لا يكون إلا عن جهلٍ، ولا يقع إلا من جهّال، وهو نبى معصوم، توجهه السماء، فلا يضل ولا يهزل!!

ولا يجد القوم في هذا مقنعا، ويذهب بهم جهلهم وحمقهم إلى أن البقرة المطلوبة ليست مجرد بقرة، وإنما هى على أوصاف نادرة لا تتحقق إلا فيها، حتى يمكن أن تتخلّق منها الآية التي طلبوها .. هكذا فكروا وقدّروا.

وهنا يقول ابن عباس: أنهم تشددوا فشدد الله عليهم. ولو ذبحوا أي بقرة لتَمَّ لهم ما يريدون، ولكنه التعمق في التفاصيل بما لا طائل تحته إلا أن يذكروا ما سكت عنه الشرع فيشدد الله عليهم،

«قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ؟» لقد جمعوا بين الجهل والسفاهة، فأبوا أن يقولوا «ادع لنا ربنا» وقالوا: «ادْعُ لَنا رَبَّكَ» وكأنه ربّ موسى وليس ربًا لهم! وهذا الجحود والسفاقة في خلق القوم تتكرر مرارًا عند القوم حتى ارت علما عليهم ألا تسمع قولهم {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) } (المائدة: 24) .

ومع هذا فقد أجابهم الله إلى ما طلبوا: «قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ، عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ» أي هى من أواسط البقر في سنها، ليست كبيرة ولا صغيرة .. والفارض هى التي ولدت مرات كثيرة، والبكر، التي لم تلد بعد .. فهى وسط بين هذين الطرفين.

وفي قوله تعالى: «فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ» تنبيه لهم .. إن كانوا يعقلون ..

أن ينتهوا عند هذا، وألا يطلبوا وراء هذه الصفات صفات أخرى ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت