فهرس الكتاب

الصفحة 307 من 604

ولكن يأبى القوم إلا أن يلبسوا بقرتهم أثوابا لا تُرى على كثير من البقر ..

فعادوا إلى موسى يسألونه: «ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها» وفي كل مرة يقولون «ربّك» ولا يقولون «ربّنا» ويجيبهم الرحمن الرحيم إلى ما طلبوا: «إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ» والأصفر في أزهى درجاته يُدعى فاقعًا، كما أن الأحمر الزاهي يقال له قاني، والأبيض ناصعا، والأسود فاحما. ولم يدعهم في هذه المرة إلى أن يفعلوا ما يؤمرون، بل تركهم وما تختار لهم أنفسهم من ركوب هذا المركب الخشن، حتى تحفي أقدامهم وتنهدّ قواهم! ويعودون إلى موسى مرة أخرى: «ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ، إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا» !! والبقر هو البقر .. يشبه بعضه بعضا، ولكنهم يريدونها بقرة لا شبيه لها .. بقرة خلقها الخالق لهذا المطلب، ولم يخلق مثلها .. منتهى التنطع والمماطلة!

ويجيئهم أمر الله: «إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ، وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ، مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها» أي إنها بقرة لم يذللها العمل، بل هى بقرة بريّة مرسلة، لم تستخدم في حرث الأرض، ولا في سقى ما يحرث من الأرض، ثم هى بريئة من كل عيب يدخل عليها في أعضائها، أو في لونها: «مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها» .

وهنا يجد القوم أن بقرتهم قد لبست أوصافا لا تكاد تقع إلا في القليل النادر، فيجدّون في البحث عنها، وهم سعداء بهذا الجري اللاهث وراءها ..

ويلقون إلى موسى بتلك الفرحة التي ملأت صدورهم، قبل أن يعثروا عليها «الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ» !! الآن فقط! كأنه إنما كان في كل ما جاءهم به من قبل عن هذه البقرة وغيرها، ليس مما هو حق، بل باطل وعبث! يا لبجاحة سوء الأدب!

«فذبحوها، وما كادوا يفعلون» أي أنهم لم يكادوا يجدون بقرة على تلك الصفة، أو أنهم حين وجدوها صغرت في أعينهم، فكادوا ينصرفون عنها، ويطلبون أوصافا أخرى لبقرة غيرها! فانظر كيف يستبدّ بهم اللجاج والعناد، وكيف يوردهم لجاجهم وعنادهم موارد التّيه والضلال، ولو أنهم امتثلوا ما أمروا به من أول الأمرلكفوا أنفسهم مئونة هذا العناء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت