فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 604

سادسا: أنه سلك مع أهل مكة سبيل الإيجاز في خطابه حتى جاءت السور المكية قصيرة الآيات صغيرة السور. لأنهم كانوا أهل فصاحة ولسن صناعتهم الكلام وهمتهم البيان فيناسبهم الإيجاز والإقلال دون الإسهاب والإطناب.

كما أن قانون الحكمة العالية قضى بأن يسلك سبيل التدرج والارتقاء في تربية الأفراد وأن يقدم الأهم على المهم. ولا ريب أن العقائد والأخلاق والعادات، أهم من ضروب العبادات ودقائق المعاملات لأن الأولى كالأصول بالنسبة للثانية لذلك كثر في القسم المكي التحدث عنها والعناية بها كما علمت في الخواص الماضية جريا على سنة التدرج من ناحية وتقديما للأهم على المهم من ناحية أخرى. ا. ه. [1]

و أما (القرآن المدني) فهو ما نزل بعد هذه الهجرة؛ وإن كان نزوله بمكة .. وفي هذه الآيات التي نزلت بعد وجود كيان واضح للأمة المسلمة ولمدينتها الفاضلة ودولتها الربانية .. هنا ينتقل الخطاب من مجرد إرساء القواعد الاعتقادية والأخلاقية لهذا الدين إلى بناء الأمة المسلمة على أسس تشريعية وحضارية واضحة مفصلة .. وهنا أيضًا في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث الاحتكاك بين الإسلام والمسلمين الأوائل وبين الديانات السابقة على الإسلام لكى تثبت الدعوة المحمدية أنها الموجة التصحيحية الأكبر والأهم لانحرافات أهل الكتاب عن حقيقة دين الإسلام الذي جاء به كل الرسل والأنبياء كما قال تعالى موضحا هذه المفاصلة بين دين الحق وبين تحريفات وانحرافات أهل الكتاب عن الحق .. وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ

(1) مناهل العرفان في علوم القرآن (1/ 202 - 203)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت