فهرس الكتاب

الصفحة 310 من 604

قال صاحب تفسير التحرير والتنوير: «وإنما تعلقت إرادة الله بكشف حال من قتل هذا القتيل- مع أنه، ليس أول قتيل طل دمه في الأمم- إكراما لموسى- عليه السلام- أن يضيع دم في قومه وهو بين أظهرهم، وبمرأى ومسمع منه، لا سيما وقد قصد القاتلون استغفاله ودبروا المكيدة في إظهار المطالبة بدمه، فلو لم يظهر الله- تعالى- هذا الدم ويبين سافكه- لضعف يقين القوم برسولهم موسى- عليه السلام- ولكان ذلك مما يزيد شكهم في صدقه فينقلبوا كافرين، فكان إظهار القاتل الحقيقي إكراما من الله تعالى- لموسى، ورحمة بالقوم لئلا يضلوا» انتهى [1] .

هذا ولصاحب المنار- رحمه الله- رأى في تفسير الآية الكريمة، فهو يرى أن المراد بالإحياء في قوله تعالى: {كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى} حفظ الدماء واستبقاؤها وليس المراد به عنده الإحياء الحقيقي بعد الموت.

فقد قال في تفسيره: ومعنى إحياء الموتى على هذا حفظ الدماء التي كانت عرضة لأن تسفك بسبب الخلاف في قتل تلك النفس، أى يحييها بمثل هذه الأحكام، وهذا الإحياء على حد قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} ، وقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ} .فالإحياء هنا معناه الاستبقاء كما هو المعنى في الآيتين ... [2]

والذي أراه أن المراد بالإحياء في قوله تعالى: {كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى} الإحياء الحقيقي للميت بعد موته، وأن تفسيره بحفظ الدماء واستبقائها ضعيف؛ كما مر في شبيه ذلك عن الأستاذ محمد عبده وتلميذه رشيد رضا آنفا، فما ذهب إليه صاحب المنار لا يدل عليه القرآن الكريم لا إجمالا ولا تفصيلا، ولا تصريحا ولا تلميحا، لأن قوله تعالى: {كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى} ظاهر كل الظهور، في أن المراد بالإحياء رد الحياة إليهم بعد ذهابها عنهم، إذ الموتى هم الذين ماتوا بالفعل، وإحياؤهم رد أرواحهم بعد موتهم، وليس هناك نص صحيح يُعتمد عليه في مخالفة هذا الظاهر، ولا توجد أيضا قرينة مانعة من إرادة هذا

(1) «تفسير التحرير 1/ 529»

(2) تفسير المنار ج 1 ص 151

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت