فهرس الكتاب

الصفحة 311 من 604

المعنى المتبادر من الآية بأدنى تأملٍ. وما دام الأمر كذلك فلا يجوز تأويله بما يخالف ما يدل عليه اللفظ دلالةً واضحة، ومن التعسف الظاهر أن يراد من الموتى الأحياء من الناس، وبإحياء الموتى تشريع العقوبات صونا لدماء الأحياء منهم والله تعالى حينما أراد أن يدل على هذا المعنى قال {وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} . فهذه الآية الكريمة تدل على أن القصاص من الجناة يحفظ على الناس حياتهم بدون التواءٍ أو تعمية.

ثانيا: تفسير الإحياء برد الحياة إلى الموتى، كما قال المفسرون، يؤدى إلى غرس الإيمان بصحة البعث في القلوب، لأن المعنى عليه، كهذا الإحياء العجيب- وهو إحياء القتيل بضربه ببعض البقرة ليخبر عن قاتله- يحيى الله الموتى بأن يبعثهم من قبورهم يوم القيامة، ليحاسبهم على أعمالهم، فيكون إثباتا للبعث عن طريق المشاهدة حتى لا ينكره منكر.

ثالثا: قوله تعالى بعد ذلك: {وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} قرينة قوية على أن المراد بالإحياء، رد الحياة إلى الموتى بعد موتهم لأن المراد ب {آياتِهِ} في هذا الموضع، - كما قال المفسرون- الدلائل الدالة على عظم قدرته- تعالى- وذلك إنما يكون في خلق الأمور العجيبة الخارقة للعادة والتي ليست في طاقة البشر، كإحياء الموتى وبعثهم من قبورهم للحساب والجزاء. [1]

وقد أسهبت في هذه النقطة لبيان أن القرآن بتكوينه يوجِّه المتدبر والمفسر لظاهر معانيه دون تكلُّف تأويلٍ غير صحيحٍ لا يجرنا سوى لعقلانيةٍ كاذبة لا طائل تحتها.

وقد ورد في هذه القصة روايات كثيرة رويت عن بني إسرائيل بغير سند يطمأن إليه، وما جاء في كتاب الله تعالى فيه كل الخير وكفاية.

(1) راجع التفسير الوسيط لطنطاوي (1/ 173)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت