فهرس الكتاب

الصفحة 314 من 604

مادة حياة! ومن ثم يلتقي جمال الأداء التعبيري بحكمة السياق الموضوعية في قصة قصيرة من القصص القرآني الجميل. [1]

قال الأستاذ محمد عبده: جاءت هذه الآيات على أسلوب القرآن الخاص الذي لم يُسبق إليه ولم يُلحق فيه، فهو في هذه القصص لم يلتزم ترتيب المؤرخين، ولا طريقة الكتاب في تنسيق الكلام وترتيبه على حسب الوقائع حتى في القصة الواحدة، وإنما ينسق الكلام فيه بأسلوب يأخذ بمجامع القلوب، ويحرك الفكر إلى النظر تحريكا، ويهز النفس للاعتبار هزا. وقد راعى في قصص بني إسرائيل أنواع المنن التي منحهم الله - تعالى - إياها، وضروب الكفران والفسوق التي قابلوها بها، وما كان في أثر كل ذلك من تأديبهم بالعقوبات، وابتلائهم بالحسنات والسيئات، وكيف كانوا يحدثون في أثر كل عقوبة توبة، ويحدث لهم في أثر كل توبة نعمة، ثم يعودون إلى بطرهم، وينقلبون إلى كفرهم.

كان في الآيات السابقة يذكر النعمة، فالمخالفة، فالعقوبة، فالتوبة، فالرحمة كالتفضيل على العالمين، وأخذ الميثاق، والإنجاء من فرعون، وما كان في أثر ذلك على ما أشرنا الآن وأجملنا، وأوضحنا من قبل وفصلنا.

وفي هذه القصة اختلف النسق فذكر المخالفة بعد في قوله: {وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها} ثم المنة في الخلاص منها في قوله: {فقلنا اضربوه ببعضها} ... إلخ، وقدم على ذلك ذكر وسيلة الخلاص، وهي ذبح البقرة بما يعجب السامع ويشوقه إلى معرفة ما وراءها حيث لم يسبق في الكلام عهد لسبب أمر موسى لقومه أن يذبحوا بقرة، فالمفاجأة بحكاية ما كان من ذلك الأمر، والجدال الذي وقع فيه يثير الشوق في الأنفس إلى معرفة السبب، فتتوجه الفكرة بأجمعها إلى تلقيه. إذ الحكمة في أمر الله أمةً من الأمم بذبح بقرة خفية لجديرة بأن يعجب منها السامع ويحرص على طلبها، لا سيما إذا لم يعتد فهم الأساليب

(1) في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب رحمه الله (1/ 77، 80) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت