الأخاذة بالنفوس الهازة للقلوب. وقد جرى على هذا الأسلوب كتاب القصص المخترعة والأساطير التي يسمونها الروايات في هذا العصر. [1]
قال: وقد وردت الأسئلة والأجوبة في هذه القصة مفصولة غير موصولة بحرف عطف، وذلك ما يقتضيه الأسلوب البليغ، فقد تقرر في البلاغة أن القول إذا أشعر بسؤال، كان ما يأتي بعده مما يصح أن يكون جوابا للسؤال المقدر مفصولا عما قبله، وقوله: {وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} يشعر بسؤال، كأنه قيل: ماذا كان منهم بعد الأمر؟ فأجيب عنه بقوله {قالوا أتتخذنا هزوا} وهذا يشعر بسؤال أيضا، كأنه قيل: ماذا قال موسى إذ قالوا ذلك؟ فأجاب: {قال أعوذ بالله} ... إلخ. وهكذا ورد غيرها من المراجعات في التنزيل، كما ترى في قصة موسى وفرعون. [2]
يقصد قوله تعالى: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) } (الشعراء: 23 - 33) . وهو من براعة ودقة وإيجاز الأسلوب القرآني البلاغي العظيم، فتأمله فإن القرآن العظيم قد اختُصَّ بتهذيب الأساليب العربية البليغة الرصينة وخلق لغته الخاصة الرائعة المعجزة التي لا يتذوقها إلا المتأملون المتدربون على بلاغة العرب وفصاحتهم.
(1) تفسير المنار (1/ 287)
(2) تفسير المنار (1/ 290)