للشريعة بأنواع من التقصير عملا وشكرا وفهما، وبذلك يعلم أن ما كلفهم الله به أولا هو ذبح بقرة ما، وأن ما أمروا به بعد ذلك من كونها صفراء سالمة من آثار الخدمة ليس من باب تأخير البيان عن وقت الخطاب، وإنما هو تشريع طارئ قصد منه تأديبهم على تعنتهم ولجاجهم وكثرة أسئلتهم.
وقد جاءت تعاليم الإسلام بالنهى عن كثرة السؤال، وإلى تجنب ما وقع فيه هؤلاء {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (102) } (المائدة: 101، 102) ، وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثا. (رواه مسلم وغيره) قال النووي: أَيْ: الْمُتَعَمِّقُونَ , الْغَالُونَ , الْمُجَاوِزُونَ الْحُدُودَ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ.
قال أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: '' إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ '' [1] . وفي الباب عن أبي هريرة عند البخاري ولفظه: ''إن الدِّين يُسْرٌ، ولن يُشادَّ الدين أحدٌ إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدْوة والرَّوْحة وشيءٍ من الدُّلْجةِ''.
وعن ابن عباس: ''إياكم والغلوَّ في الدِّين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغُلُوِّ في الدين''. وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وعن بريدة الأسلمي: ''عليكم هديًا قاصدًا، عليكم هديًا قاصدًا، عليكم هديًا قاصدًا، فإن من يشادَّ هذا الدين يغلبه''. وإسناده صحيح. [2]
(1) حسن بشواهده كما قال محققو المسند. وحسنه الألباني صحيح الجامع الصغير وزيادته (1/ 447/ 2246) .
(2) راجع مسند أحمد ط الرسالة (20/ 347)