فهرس الكتاب

الصفحة 324 من 604

ثم إنه سبحانه وتعالى فضَّل الحجارة على قلوبهم بأن بيَّن أن الحجارة قد يحصل منها ثلاثة أنواع من المنافع، ولا يوجد في قلوب هؤلاء شيء من المنافع. فأولها: قوله تعالى: {وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار} والتفجر هو التفتح بالسعة والكثرة؛ بمعنى وإن من الحجارة ما ينشق فيخرج منه الماء الذي يجري حتى تكون منه الأنهار.

وثانيها: قوله تعالى: {وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء} ، أي من الحجارة لما ينصدع فيخرج منه الماء، وهؤلاء قلوبهم في نهاية الصلابة لا تندى بقبول شيء من المواعظ ولا تنشرح لذلك ولا تتوجه إلى الاهتداء وقوله تعالى: {يشقَّق} أي يتشقق، فأدغم التاء كقوله تعالى: {يذكَّر} أي يتذكر، وقوله: {يا أيها المزمل} ، {يا أيها المدثر} أي المتزمل والمتدثر، وهذه من عادات القرآن اللغوية في تخفيف الألفاظ بالإدغام وهو مما يتوافق مع سلاسة وانسيابية التركيب القرآني ونظامه الموسيقي.

وثالث ميزات الحجارة على قلوب هؤلاء: {وإن منها لما يهبط من خشية الله} .

واعلم أن فيه إشكالا وهو أن الهبوط من خشية الله صفة الأحياء العقلاء، والحجر جماد فلا يتحقق ذلك فيه، فلهذا الإشكال ذكروا في هذه الآية وجوها.

أحدها: قول أبي مسلم المعتزلي خاصة وهو أن الضمير في قوله تعالى: {وإن منها} راجع إلى القلوب، فإنه يجوز عليها الخشية والحجارة لا يجوز عليها الخشية: وقد تقدم ذكر القلوب كما تقدم ذكر الحجارة، أقصى ما في الباب أن الحجارة أقرب المذكورين، إلا أن هذا الوصف لما كان لائقا بالقلوب دون الحجارة وجب رجوع هذا الضمير إلى القلوب دون الحجارة، واعترضوا عليه من وجهين.

الأول: أن قوله تعالى: {فهي كالحجارة أو أشد قسوة} جملة تامة، ثم ابتدأ تعالى فذكر حال الحجارة بقوله: {وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار} فيجب في قوله تعالى: {وإن منها لما يهبط من خشية الله} أن يكون راجعا إليها (قلت: لأن الحديث متصل عن الحجارة تربطه واو العطف أو الابتداء التي تتصل سياقا بما قبلها) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت