الثاني: أن الهبوط يليق بالحجارة لا بالقلوب، فليس تأويل الهبوط أولى من تأويل الخشية. والوجه الاني في هذا المقطع من الآية: قول جمع من المفسرين: إن الضمير عائد إلى الحجارة، لكن لا نسلم أن الحجارة ليست حية عاقلة، بيانه أن المراد من ذلك جبل موسى عليه السلام حين تقطع وتجلى له ربه، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى خلق فيه الحياة والعقل والإدراك، وهذا غير مستبعد في قدرة الله، ونظيره قوله تعالى: {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا، قالوا: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء} (فصلت: 21) ، فكما جعل الجلد ينطق ويسمع ويعقل، فكذلك الجبل وصفه بالخشية، وقال أيضا: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله} (الحشر: 21) ، والتقدير أنه تعالى لو جعل فيه العقل والفهم لصار كذلك، وروي أنه حن الجزع لصعود رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر (بأحاديث بلغت مقام التواتر المعنوي) ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما أتاه الوحي في أول المبعث وانصرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزله سلمت عليه الأحجار والأشجار، فكلها كانت تقول: السلام عليك يا رسول الله، وغير ذلك ...
قالوا: فغير ممتنع أن يخلق في بعض الأحجار عقل وفهم حتى تحصل الخشية فيه، وأنكرت المعتزلة هذا التأويل (لعقلانيتهم المتطرفة في إنكار ما لا يستبعده العقل أصلا) ، فوجب أن لا يُلتفت إليهم.
وثالث الوجوه في الآية: وهو أن الضمير عائد إلى الحجارة، وأن الحجارة لا تعقل ولا تفهم، وذكروا على هذا القول أنواعا من التأويل.
الأول: أن من الحجارة ما يتردى من الموضع العالي الذي يكون فيه فينزل إلى أسفل وهؤلاء الكفار مصرون على العناد والتكبر، فكأن الهبوط من العلو جعل مثلا للانقياد، وقوله: {من خشية الله} ، أي ذلك الهبوط لو وجد من العاقل المختار لكان به خاشيا لله وهو كقوله: {فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه} (الكهف: 77) ، أي جدارا قد ظهر فيه الميلان ومقاربة السقوط ما لو ظهر مثله في حي مختار لكان مريدا للانقضاض.