تعالى، ذهب كثير من المفسرين إلى أنها تسجد لله تعالى على الحقيقة ولا نقف عليه نحن. [1]
(قلت: في الوجهان الأول والأخير في الآية تكلف ظاهر في التأويل، واحتيال سخيف، واستثقال ما لا يستبعده العقل أبدا؛ بل يقر بقدرة الله تعالى على جعل الجماد واعيا مدركا خاشعا خاشيا ذاكرا لله ومسبحا والله على كل شئٍ قدير، ولكن لما غالى المعتزلة وأمثالهم في عقولهم حاكموا القرآن إلى عقولهم المحدودة فاضطروا إلى تعطيل النصوص بدعوى تعليلها والانخراط من ثَم في مؤامرة التأويل المتعسف لآيات الله تعالى. وقد أطلت النفس مع الفخر الرازي في هذا الموضع لبيان حقيقة التعسف في تأويل العقلانيين لنصوص الكتاب وجنايتهم على الدين، وتمرسهم في إفقاد الإيمان معانيه بالسفسطات الفارغة من التأويلات الباطلة) .
أما قوله تعالى: {وما الله بغافل عما تعملون} فالمعنى أن الله تعالى بالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم، وحافظٌ لأعمالهم محصٍ لها؛ فهو يجازيهم بها في الدنيا والآخرة وهو كقوله تعالى: {وما كان ربك نسيا} (مريم: 64) . وفي هذا وعيد لهم وتخويف كبير لينزجروا.
قلت: والملاحظة أنه أسلوب خبري أفاد الوعيد والتخويف، كما قيل في قوله عليه السلام: '' إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت''.
وبذلك تكون الآية الكريمة قد وصفت بني إسرائيل بما هم أهله. من قساوة القلب وانطماس البصيرة، وعدم التأثر بالعظات مهما كثرت. وبالآيات مهما توالت. والله أعلم. [2]
(1) انظر:"تفسير الطبري"1/ 365، وقد قال بعد أن ذكر هذه الأقوال: (وهذه الأقوال وإن كانت غير بعيدات المعنى مما تحتمله الآية من التأويل، فإن تأويل أهل التأويل من علماء سلف الأمة بخلافها، فلذلك لم نستجز صرف تأويل الآية إلى معنى منها) ، 2/ 243، وإلى نحو هذا مال القرطبي في"تفسيره"وقال: إنه لا يمتنع أن يعطي الله الجمادات المعرفة والعقل ولا ندرك نحن كيفيته، 1/ 465، وانظر:"تفسير ابن كثير"1/ 121، و التفسير البسيط للواحدي (3/ 76) .
(2) راجع تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (3/ 555 - 562) باختصار وتصرف ونقاش. وراجع أيضا التفسير الوسيط لطنطاوي (1/ 173) .