ويؤكد ما أذهب إليه من تجدد الخطاب ههنا للمؤمنين الداعين إلى الله وحالهم مع اليهود في كل زمان قول الرازي: والمراد بقوله: {أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ} هم اليهود الذين كانوا في زمن الرسول عليه السلام لأنهم الذين يصح فيهم الطمع في أن يؤمنوا، لأن الطمع إنما يصح في المستقبل لا في الواقع. [1] فلفظ الطمع الذي يشير إلى المستقبل هو بعينه الذي يمتد بالخطاب إلى كل مؤمنٍ يطمع في هداية أولئك الجاحدين من يهود في كل عصر، ويُلين خطابه ويميل بعقيدته، والحق أن اللين مطلوب في جانب الدعوة، مع رسوخ جانب العقيدة وقوته، ولا مجال أبدًا لفقه التنازلات في الحديث عن أصول الدين وثوابته.
هكذا كتاب الله تعالى يخاطب الأمة المؤمنة ويتجدد خطابه بما يوازي تحدياتها عبر العصور، فلا تنقضي عجائبه ورعايته لمة الإسلام أبد الدهر. وهكذا يجب ان نؤمن بالقرآن كتاب حياةٍ ما دامت الحياة على الأرض، وليس خطابًا تاريخيًا مربوط بزمن نزوله، حاشاه وكلّا، وما ذلك إلا غاية العلمانيين والمتعصرنين تبعًا لأسيادهم المستشرقين.
قال الرازي: ذكر العلماء في سبب استبعاد إيمان اولئك اليهود وجوهًا:
أحدها: أفتطمعون أن يؤمنوا لكم مع أنهم لم يؤمنوا بموسى عليه السلام، وكان هو السبب في أن الله خلَّصهم من الذل وفضَّلهم على أهل زمانهم، ومع ظهور المعجزات المتوالية على يده وظهور أنواع العذاب على المتمردين منهم.
الثاني: أفتطمعون أن يؤمنوا، ومَن علم منهم الحق لم يعترف بذلك، بل غيَّره وبدَّله. الثالث: أفتطمعون أن يؤمن لكم هؤلاء من طريق النظر والاستدلال، فكيف وقد كان فريق من أسلافهم يسمعون كلام الله ويعلمون أنه حق ثم يعاندونه. ا. ه.
(1) تفسير الرازي (2/ 164، بترقيم الشاملة آليا)