فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 604

قال ابن زيد: التوراة التي أنزلها الله عليهم يحرفونها؛ يجعلون الحلال فيها حرامًا، والحرام فيها حلالًا، والحق فيها باطلًا، والباطل فيها حقًا، إذا جاءهم المحق برشوة أخرجوا له ذلك من كتاب الله، وإذا جاءهم المبطل برشوة أخرجوا له ذلك منه، وإن جاء أحد يسألهم شيئًا ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء؛ أمروه بالحق، فقال الله تعالى لهم: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} (البقرة: 44) . [1]

قال بعض العلماء ان الذين حرَّفوا كلام الله قد سمعوه مع موسى مباشرةً وهم بعض السبعين الذين قال الله فيهم {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا} (الأعراف: 155) ، فلما عادوا حرَّفوا ما سمعوه، وإليه ذهب ابن عباس والربيع، قال القاضي ابن عطية رحمه الله: وفي هذا القول ضعف، ومَن قال إن السبعين سمعوا ما سمع موسى فقد أخطأ وأذهب فضيلة موسى عليه السلام واختصاصه بالتكليم. [2] فأى مزيةٍ لموسى عليه السلام في اختصاصه بتكليم الله له بعد ذلك؟!

وبعضهم حمل ذلك التحريف على أنها التوراة التي جاءهم بها موسى عليه السلام فبدَّلوا فيها وغيروا معانيها، وإليه ذهب السدي والحسن وابن زيد. وهو الصحيح عندي لما قدَّمنا، ويكون معنى يسمعون {يسمعون كلام الله} أى يُتلى عليهم {ثم يحرفونه} أى بسوء تأويله وعصيان أمره أيام موسى عليه السلام، وبتحريف لفظه ومعناه بعد موسى ..

وأما عن معنى التحريف: فتَحريفُ الشيء: هو إمالته، كتحريف القلم، وتحريف الكلام: أن تجعله على حرف من الاحتمال يمكن حمله على الوجهين، قال عزّ وجلّ: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ} (النساء 46) ، و {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ} (المائدة 41) . [3]

(1) (تفسير الطبري) م 1 (1/ 483، 484) بتصرف واختصار.

(2) تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (1/ 168)

(3) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني (ص: 228)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت