أو أنهم يتبعون ما يختلقه علماؤهم المضلون ويتلونه عليهم من الكذب على الله تعالى وكتابه. ويؤيده قوله تعالى في لحاق هذه الآية {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ... } (البقرة: 79) . [1]
قال الأستاذ محمد عبده: إنما يحسن تفسير هذه الآيات من كان على علم بتاريخ اليهود في ذلك العصر ووقوف على حالهم، وإن كانت إلا نسخة من حال بعض الشعوب الموجودين الآن ... كانوا أكثر الناس مراء وجدالا في الحق وإن كان بيِّنا باهرا، وأشد الناس كذبا وغرورا وأكلا لأموال الناس بالباطل كالربا الفاحش، وغشا وتدليسا وتلبيسا، وكانوا مع ذلك يعتقدون أنهم شعب الله المختار، وأفضل الناس كما يعتقد أشباههم في هذا الزمان، فهذه هي الأماني التي صدتهم عن قبول الإسلام. [2]
(وقَوْله تعالى: {وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} (إنْ) المخففة هنا نَافِيَةٌ: أَيْ مَا هُمْ، وَالظَّنُّ: هُوَ التَّرَدُّدُ الرَّاجِحُ بَيْنَ طَرَفَيِ الِاعْتِقَادِ الْغَيْرِ الْجَازِمِ. أَيْ مَا هُمْ إِلَّا يَتَرَدَّدُونَ بِغَيْرِ جَزْمٍ وَلَا يَقِينٍ وَقِيلَ: الظَّنُّ هُنَا بِمَعْنَى الْكَذِبِ وَقِيلَ: هُوَ مُجَرَّدُ الْحَدْسِ. فلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَهْلَ الْعِلْمِ مِنْهُمْ بِأَنَّهُمْ غَيْرُ عَامِلِينَ بَلْ يُحَرِّفُونَ كَلَامَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، ذَكَرَ أَهْلَ الْجَهْلِ منهم بأنهم يتكلمون عَلَى الْأَمَانِيِّ وَيَعْتَمِدُونَ عَلَى الظَّنِّ الَّذِي لَا يَقِفُونَ مِنْ تَقْلِيدِهِمْ عَلَى غَيْرِهِ وَلَا يَظْفَرُونَ بِسِوَاهُ. [3]
(1) قال ابن جرير الطبري: وأولى ما روينا في تأويل قوله تعالى {إِلَّا أَمانِيَّ} أن هؤلاء الأميين لا يفقهون، من الكتاب الذي أنزله الله، شيئا. ولكنهم يتخرصون الكذب ويتقوّلون الأباطيل كذبا وزورا. والتمني في هذا الموضع هو تخلّق الكذب وتخرّصه وافتعاله. انتهى.
(2) تفسير المنار (1/ 298)
(3) فتح القدير للشوكاني (1/ 123)