قال المفسرون: معناه: هل اتخذتم عند الله عهدا باتباع شريعته اعتقادا وائتمارا وانتهاءًا وتخلُّقا، فأنتم واثقون بعهد الله في كتابه لمن كان كذلك بالنجاة من النار، ودخول الجنة ومغفرة ما عساه يفرط منه من السيئات أو العقوبة عليه مدة قصيرة؟.
قال سبحانه: {أَتَّخَذْتُمْ} الهمزةُ للاستفهامِ، ومعناهُ الإِنكارُ والتقريعُ، وبها استُغْنِيَ عن همزةِ الوصل الداخلةِ على «اتَّخَذْتُم» كقوله: {أفترى عَلَى الله} (سبأ: 8) ، {أَصْطَفي} (الصافات: 153) . {أَتَّخَذْتُمْ عند الله} أى في حكمه {عهدا} عهده إليكم خاصة. {فَلَنْ يُخْلِفَ الله عهده} هذا جوابُ الاستفهامِ المتقدِّمِ في قوله: {أَتَّخَذْتُمْ} تقديرُه: إن اتَّخَذْتُمْ عندَ الله عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عهدَه، (أو) هل اتخذتم عند الله عهدا، فإن كان ذلك، فلن يخلف الله عهده. [1]
قوله تعالى: {بلى} .. حَرْفُ جوابٍ مثل نَعَم وأَجَلْ وإي، إلاَّ أَنَّ «بلى» جوابٌ لنفي متقدِّمٍ، سواءً دخلَه استفهامٌ أم لا، فيكونُ إيجابًا له نحو قول القائلِ: ما قام زيدٌ فتقولُ: بلى، قد قام، وتقول: أليس زيدًا قائمًا؟ فتقول بلى، أي: هو قائم، قال تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بلى ... } (الأعراف: 172) ، فقوله تعالى: «بلى» رَدٌّ لقولِهم: {لَن تَمَسَّنَا النار} أى تدخلوها بذنوبكم، ويخلد فيها كل كافر بالله معاند لحكمه [2] ..
يقول تعالى: ليس الأمر كما تمنيتم، ولا كما تشتهون، بل الأمر: أنه من عمل سيئة وأحاطت به خطيئته، وهو من وافي يوم القيامة وليس له حسنة، بل جميع عمله سيئات،
(1) وهل هذا بطريقِ تضمينِ الاستفهامِ معنى الشرطِ، أو بطريقِ إضمار الشرطِ بعدَ الاستفهامِ وأخواتِهِ؟ قولان.
(2) جاء في الدر المصون في علوم الكتاب المكنون للحلبي (1/ 455) : أي بلى تَمَسُّكم أبدًا، بدليلِ قولِه: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} قاله الزمخشري، يريد أن «أبدًا» في مقابَلَةِ قولهم: {إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً} وهو تقديرٌ حَسَنٌ. قلتُ: وإن كنت أشم في تقدير الزمخشري رائحة نصرة عقيدته في الاعتزال، والتي فيها تخليد أصحاب الكبائر في جهنم.