فهرس الكتاب

الصفحة 363 من 604

فهذا من أهل النار، والذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات -من العمل الموافق للشريعة- فهم من أهل الجنة. وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا* وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} (النِّسَاءِ: 123، 124) . [1]

عن عبد الله بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ''إيَّاكم وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ''. وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ لهُنَّ مَثَلًا كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ، وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ، حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا، وَأَجَّجُوا نَارًا، فَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا ''. [2]

وتأمل عظمة التعبير القرآني في قوله تعالى: {وأحاطت به خطيئته} ، لتشعر بتلك الذنوب تحيط بصاحبها حتى تخنقه وتضيِّق عليه فلا يجد منها مفرًا ولا ملجأً، إنها تجيئه من كل جوانبه فيكون محبوسًا محصورًا داخلها ... أولئك المنحلين المنغمسين في وحل الذنوب وحضيضها ...

قال الأستاذ محمد عبده: السيئة هنا على إطلاقها، وخصها بعض المفسرين بالشرك، ولو صح هذا لما كان لقوله - تعالى: {وأحاطت به خطيئته} معنى؛ فإن الشرك أكبر السيئات، وهو يستحق هذا الوعيد لذاته كيفما كان، ومعنى إحاطة الخطيئة هو حصرها لصاحبها، وأخذها بجوانب إحساسه ووجدانه، كأنه محبوس فيها لا يجد لنفسه مخرجا منها، يرى نفسه حرا مطلقا وهو أسير الشهوات، وسجين الموبقات، ورهين الظلمات، وإنما تكون الإحاطة بالاسترسال في الذنوب، والتمادي على الإصرار، قال - تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} (83: 14) أي من الخطايا والسيئات،

(1) تفسير ابن كثير ت سلامة (1/ 315)

(2) أخرجه الإمام أحمد في المسند بسند حسن، ونحوه من حديث سهلٍ بن سعد بسند صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت