فهرس الكتاب

الصفحة 365 من 604

يبتدأ مع القوم حوارٌ جديد يذكرهم بنعمة أخرى من جليل النعم عليهم وهى أن بيَّن الله لهم كل خيرٍ برسالاته، وعرّفهم الطريق إلى رضاه وصلاح دنياهم وآخرتهم.

ولكنهم أهل نقضٍ وتلاعبٍ ومروقٍ وكفران؛ فكان أن أقام الله عليهم الحجة بأخذ العهود والمواثيق بما بلَّغ إليهم { ... لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) } (النساء: 165) .

والمعنى: واذكروا إذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأقمنا عليهم حجة البلاغ والبيان في حياة نبيهم موسى عليه السلام ... ثم يدعوهم سبحانه إلى المبادئ العامة التي يقوم عليها دين الله تعالى، مهما اختلفت الشرائع. فالتوحيد، والإحسان للوالدين والأقربين واليتامى والمساكين، والقول الحسن لكل الناس، والصلاة، والزكاة إلى الفقراء هي ضروريات الدين التي تقوم عليها سعادة الدنيا والآخرة. وهى أصول لا تتبدل ولا تُنسخ، وإليها تجتمع كل شرائع الدين وحقائقه.

يقول العلماء إن القرآن جاء بهذه الوصايا وفي أولها {لا تعبدون} بهذه الصيغة الخبرية وهى في معنى النهى عن عبادة غير الله؛ كأنه من شدة التأكيد عليها جعلها أمرا في قوته واقعًا. كما تقول: تذهب إلى فلان تقول له كذا، تريد الأمر (لابد أن تذهب ... ) ، وهو أبلغ من صريح الأمر والنهى، لأنه كأن فيه الحض على السرعة وحصول الامتثال والانتهاء ... [1]

(وهذا النهي عن عبادة غير الله مستلزم للأمر بعبادته - تعالى - ولم يُصرَّح به؛ ولأنهم كانوا يعبدون الله، وإنما يُخشَى عليهم الشرك به كما وقع من بني إسرائيل في بعض الأجيال ومن غيرهم من الشعوب، فالأصل الأول لدين الله على ألسنة جميع رسله هو أن

(1) اختاره الزمخشري وقال: ويؤيده قراءة عبد اللَّه بن مسعود وأبىّ بن كعب رضى الله عنهما (لا تعبدوا) . وكذلك عطف الأمر عليه في {وقولوا للناس حسنا} . أو هو يجري مجرى القسم، كأنه قيل: وإذ أقسمنا عليهم لا تعبدون. وقيل: معناه أن لا تعبدوا، بحذف «أن» .. ا. ه. من تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (1/ 159) بتصرف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت