قال علماؤنا: فداء الأسارى واجب وإن لم يبق درهم واحد. قال ابن خويز منداد: تضمنت الآية وجوب فك الأسرى، وبذلك وردت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فك الأسارى وأمر بفكهم، وجرى بذلك عمل المسلمين وانعقد به الإجماع. ويجب فك الأسارى من بيت المال، فإن لم يكن فهو فرض على كافة المسلمين، ومن قام به منهم أسقط الفرض عن الباقين. انتهى فتأمل.
وهنا يتوجه الخطاب القرآني لهم ولأمثالهم في كل أمةٍ فيقول: { ... أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) } (البقرة: 85)
والخطاب هنا في صميم هذا الفصام النكد والمرض العضال من تقسيم الكتاب فيُؤمِن المتحايلون المتحللون ببعضه ويكفرون ببعضه الذي لا يواكب أهوائهم؛ والخطاب هنا وإن كان لليهود ابتداءً وعلى فعلهم نزل، ولكنه - بعمومه - يتناول كل أمةٍ وكل كتابٍ، فكل مَن فرَّق بين آيات الكتاب؛ أو بين الكتاب والسنة فقد عمَّه النذير وشمله الخطاب الشديد اللهجة في هذه الآيات، فقد رُوِيَ أنَّ عمر بن الخَطَّاب- رضي اللَّه عنه- قال: «إن بني إسرائيل قد مَضَوْا، وإنكم أنتم تُعْنَوْن بهذا الحديث» يريد هذا الحديث وما يجري مجراه ..
وهذا هو الحاصل عند مَن خانه عقله وهواه وقضى الله بضلاله حين يأخذ جزءًا من الحق ويضرب به جزءًا آخر فيضل ويتيه لأنه لا يرى من الحق إلا ما وافق هواه، فكان ممتثلًا لهواه لا للحق.
وقوله تعالى: {فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ} استفهامٌ في معنى توبيخ. وقوله تعالى: {إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} يعني: ما نال قُريْظة وبني النضير؛ لأن بني النضير أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مَساكنهم، وبني قريظة أُبيروا بقتل مقاتلهم، وسبي ذراريهم. والخزي: الهوان والفضيحة، وقد أخزاه الله: أي: أهانه وفضحه، وفي القرآن: وَلَا تُخْزُونِ