تعني نظرة أوضح وأكثر إلماما بمقاصد الذكر الحكيم، وتجنبنا طوام النظرات المجزوءة لكتاب الله تعالى.
وعلى مستوى آخر فإن ما يبدو للوهلة الولى أنه من باب التكرار في كتاب الله تعالى هو من المتشابه شكلًا لا معنىً وليس مكررًا. وإن النظر المتمعن المتأمل في ذلك يؤدي إلى توجيه هذا التشابه بما يتفق مع عظمة البلاغة القرآنية في تقرير المختلفات بطرقٍ متشابهة. وقد صنف في ذلك علماء كبار منهم: محمود بن حمزة بن نصر، أبو القاسم برهان الدين الكرماني، ويعرف بتاج القراء (المتوفي: نحو 505 هـ) في كتابه: أسرار التكرار في القرآن المسمى (البرهان في توجيه متشابه القرآن لما فيه من الحجة والبيان) .. وغيره كثيرون، وهو علم لطيف لا يلج فيه إلا المتدبرون العلماء.
ولنضرب مثالًا بسيطا يحدثنا فيه الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله:
وهو قول الحق عز وجل: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ} [ص: 75]
ونحن حين نحلل هذا النص، نجد قوله: {مَا مَنَعَكَ} أي ما حجزك، وقد أورد القرآن هذه المسألة بأسلوبين، فقال الحق مرةً: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} . وقال مرةً أخرى: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ} . وهذا يعني أن الأسلوب الأول جاء ب «لا» النافية، والأسلوب الثاني جاء على عدم وجود «لا» النافية. وقوله {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ} كلام سليم واضح؛ يعني: ما حجزك عن السجود. لكن {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} هي التي تحتاج لوقفة. لذلك قال العلماء: إن «لا» هنا زائدة، ومَنْ أَحْسَن الأدب منهم قال: إن «لا» صلة. لكن كلا القولين لا ينفع ولا يناسب؛ لأن من قال ذلك لم يفطن إلى مادة «منع» ولأي أمر تأتي، وأنت تقول: «منعت فلانًا أن يفعل» ، كأنه كان يهم أن يفعل فمنعته.
إذن {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ} كأنّه كان عنده تهيؤ للسجود، فجاءت قوة أقوى منه ومنعته وحجزته وحالت بينه وبين أن يسجد. لكن ذلك لم يحدث. وتأتي «منع» للامتناع بأن يمتنع هو عن الفعل وذلك بأن يقنعه غيره بترك السجود فيقتنع ويمتنع، وهناك فرق بين ممنوع، وممتنع؛ فممنوع هي في {مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ} ، وممتنع تعني أنه امْتنع من نفسه ولم