وذلك أنهم قالوا: {نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} ، فكذّبهم الله عز وجل، وعيَّرهم بعبادة العجل، وذلك أنّ آباءهم ادعوا الإيمان ثم عبدوا العجل.
وقوله تعالى: {يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ} من المجاز وسعة العربية؛ لأن الإيمان لا يأمُر، وهو كقوله: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45] ، وكما تقول في الكلام: بئسما يأمرك العقل بشتم الناسِ، معناه: إِن كنْتَ عاقلًا لم تشتمهم، كذلك المعنى في الآية: لو كنتم مؤمنين ما عبدتم العجل. [1]
أقول: فقد ذكرت عبادتهم للعجل قبل ذلك في سورة البقرة وكان السياق حينها في خضم تعداد نعم الله تعالى عليهم ومقابلتها بالكفران، وعفو الله عنهم بعدها ... ثم ذكرت قصة العجل هنا لتبكيتهم وتفنيد إدعائهم بالإيمان بما ألقي إليهم من التوراة، فكان التركيز على أنهم لم يسمعوا كلام الله سمع طاعة وقبول وإنما تلقوه بالعصيان والكفر. فتأمل كيف أن التكرار في كتاب الله لقصةٍ واحدةٍ بزوايا مختلفة، وتفاصيل مختلفة، وملائمة مع السياق تخدم المعنى الكلي المقصود بمنتهى الدقة والعظمة {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) } (النساء: 82) .
[وفي قوله تعالى: «قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا» ، وفي الجمع بين السمع والعصيان ما يشير إلى تلك الطبيعة اللئيمة المستقرة في كيان القوم، وهى أنهم لا يتقبلون الخير ولا يستقيمون عليه، وأنه إذا نفذت إلى آذانهم دعوة الخير استقبلها من قلوبهم عواء مخيف، يردّها عن أفقه، ويصدها عن مورده: «سمعنا وعصينا» ! سمعنا بآذاننا وعصينا بقلوبنا!.
وفي قوله تعالى: «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» وتكرار هذا القول مرتين في موقف واحد؛ في هذا ما يكشف عن حقيقة هذا الإيمان الذي يدّعونه ..
(1) التفسير البسيط للواحدي (3/ 158 - 163) تحقيق وطباعة جامعة الملك محمد بن سعود، بتصرف واختصار يسير.