نصير إلى التأويل مع إمكان حمل الشيء على ظاهره لا سيما إذا لم يقم دليل على خلافه اهـ. وحكى الواحدي في الوسيط (1/ 176) أن المفسرين اتفقوا على أنهم قالوا (سمعنا) لما أطل الجبل فوقهم، فلمَّا كشف عنهم قالوا (عصينا) ].
وقال الحسن: قالوا: سمعنا بألسنتهم، وعصينا بقلوبهم.
فقال أهل المعاني (يؤولون ذلك) : إنهم لم يقولوا هذا بألسنتهم، ولكنهم لما سمعوا الأمر، وتلقَّوه بالعصيان نسب ذلك منهم إلى القول اتساعًا، كقول امرؤ القيس:
نواعِمُ يُتْبعنَ الهوى سُبُلَ الردَى ... يقلن لأهل الحِلم ضُلًّا بَتْضلال.
قالوا: المعنى: يُضللن ذا الحلم، وليس الغرض حكاية قولهن. وقوله تعالى: {وَأُشْرِبُوا} الإشرابُ في اللُّغةِ خَلْطَ لونٍ بلون، يقال: أبيض مُشرَبٌ حُمرةً، إذا كان يعلوه حُمرة. وقال أبو عبيدة، والزجاج: معناه سُقُوا حُبَّ العِجل، وأصل الإشرابِ: السَّقْي.
والمعنى هاهنا: أنهم خلطوا بحب العجل حتى اختلط بهم، ثم بيّن أنّ مَحَلّ ذلك الحُبّ قلوبهم، وأن الخلط حصل فيها، فأضاف أولًا إلى الجملة {وأشربوا} ، ثم خصّ القلوب {في قلوبهم} ، كما تقول: ضُربوا على رؤوسهم، أضفت الضرب أولًا إليهم، ثم بيّنت مَحلّ الضَّرب، وإنما ذكره بلفظ الإشراب إخبارًا عن رسوخ ذلك الحُبّ في قلوبهم كإشراب اللَّوْن لِشِدّة الملازمة.
وقوله تعالى: {الْعِجْلَ} أراد: حُبّ العجل فحذف المضاف؛ كقوله: {وَسْئَلِ القَرْيَةَ} (يوسف: 82) ، وقوله تعالى: {بِكُفْرِهِمْ} قال بعضهم: أي، باعتقادهم التشبيه؛ لأنهم طلبوا ما يتصوّرُ في نفوسهم (أقول- جامعه: وهو توجيه عقدي لا دليل عليه من السياق، وربما عاضده أن طبيعة القوم هي المادية التي أهلكتهم) . وقال الزجاج: معناه فعل الله ذلك مجازاة لهم على الكفر، كما قال: {بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفرِهِم} [النساء: 155] .
وقوله تعالى: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} معناه: إن كنتم مؤمنين فبئس الإيمان إيمانٌ يأمر بالكُفْر، وهذا تكذيب لهم؛ لأنهم كانوا يزعمون أنهم مؤمنون،