فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 604

عند الله تعالى- كما فعلوا عند تحويل القبلة- وكانوا مصدر إيحاء وتوجيه للمنافقين. كما كانوا مصدر تشجيع للمشركين.

ومن ثم تتضمن السورة حملة قوية على أفاعيلهم هذه وتذكرهم بمواقفهم المماثلة من نبيهم موسى- عليه السلام- ومن شرائعهم وأنبيائهم على مدار أجيالهم. وتخاطبهم في هذا كأنهم جيل واحد متصل، وجبلة واحدة لا تتغير ولا تتبدل.

وتنتهي هذه الحملة بتيئيس المسلمين من الطمع في إيمانهم لهم، وهم على هذه الجبلة الملتوية القصد، المؤوفة الطبع. كما تنتهي بفصل الخطاب في دعواهم أنهم وحدهم المهتدون، بما أنهم ورثة إبراهيم.

وتبين أن ورثة إبراهيم الحقيقيين هم الذين يمضون على سنته، ويتقيدون بعهده مع ربه وأن وراثة إبراهيم قد انتهت إذن إلى محمد - صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين به، بعد ما انحرف اليهود وبدلوا ونكلوا عن حمل أمانة العقيدة، والخلافة في الأرض بمنهج الله ونهض بهذا الأمر محمد والذين معه. وأن هذا كان استجابة لدعوة إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام- وهما يرفعان القواعد من البيت: «رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ، وَأَرِنا مَناسِكَنا، وَتُبْ عَلَيْنا، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» .

وعند هذا الحد يبدأ سياق السورة يتجه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- وإلى الجماعة المسلمة من حوله حيث يأخذ في وضع الأسس التي تقوم عليها حياة هذا الجماعة المستخلفة على دعوة الله في الأرض، وفي تمييز هذه الجماعة بطابع خاص، وبمنهج في التصور وفي الحياة خاص.

ويبدأ في هذا بتعيين القبلة التي تتجه إليها هذه الجماعة. وهي البيت المحرم الذي عهد الله لإبراهيم وإسماعيل أن يقيماه ويطهراه ليعبد فيه الله وحده، هذه القبلة التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يرغب ولا يصرح في الاتجاه إليها: «قَدْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت