مع أن هذا الكتاب الذي نزل به جبريل مصدقا لما تقدمه من الكتب غير مخالف لها ولا مناقض، وفيه الهداية التامة من أنواع الضلالات، والبشارة بالخير الدنيوي والأخروي، لمن آمن به، فالعداوة لجبريل الموصوف بذلك، كفر بالله وآياته، وعداوة لله ولرسله وملائكته، فإن عداوتهم لجبريل، لا لذاته بل لما ينزل به من عند الله من الحق على رسل الله.
فيتضمن الكفر والعداوة للذي أنزله وأرسله، والذي أرسل به، والذي أرسل إليه، فهذا وجه ذلك. [1]
و {نَزَّلَهُ} ؛ أي: نزل هذا القرآن {عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ} ؛ أي: بأمره تعالى، لا برأيه، فالضمير في قوله: {فإنه} لجبريل، وفي {نزله} للقرآن، وإضماره في الثاني مع عدم سبق المرجع يدلُّ على فخامة شأن القرآن؛ كأنَّه لتعينه؛ وفرط شهرته لم يحتج إلى سبق ذكره؛ ولدلالة المعنى عليه، ألا ترى إلى قوله: {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} ، وهذه كُلُّها من صفات القرآن، وليكون موافقًا لقوله: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ} .
وأتى بحرف الجر (على) في قوله: {عَلَى قَلْبِكَ} ؛ لأنَّ القرآن مستعلٍ على القلب، إذ القلب سامع له، ومُطيعٌ يمتثل ما أمر به، ويجتنب ما نهى عنه، وهى هنا أبلغ من حرف الجر (إلى) ؛ لأنَّ إلى تدلُّ على الانتهاء فقط.
وخصَّ القلب في {على قلبك} ولم يقل (عليك) ؛ لأن القلب هو محلُّ العقل، والعلم، وتلقِّي الواردات؛ أو لأنَّه صحيفته التي يرقم فيها، وخزانته التي يُحفظ فيها؛ أو لأنَّه سلطان الجسد. وفي الحديث:"إنَّ في الجسد مضغةً، إذا صلحت صلح الجسد كله ... ألا وهي القلب"؛ أو لأنَّ القلب خيار الشيء وأشرفه، أو لأنّه بيت الله؛ أو لأنّه كنَّى به عن العقل، إذ قد ذكر الإنزال عليه صلى الله عليه وسلم في أماكن {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} .
(1) تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 60)