(أقول - جامعه: إن الموضع ههنا هو موضع تثبيت لقلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام تكذيب اليهود وسفاهتهم وتطاولهم فكان ذكر قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع أليق وفيه ترويح عنه واعتناء بشأنه عند ربه، فتأمل) .
وقوله: {مُصَدِّقًا} حالٌ من الضمير المنصوب في {نَزَّلَهُ} يعود على القرآن، والمعنى: أي: نزله حالة كون القرآن مصدِّقًا وموافقًا {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي: لما قبله من الكتب الإلهية في التوحيد وبعض الشرائع، {وهُدًى وبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} ؛ أي: للموحِّدين بالجنة، فلا وجه لمعاداته، فلو أنصفوا لأحبُّوه، وشكروا له صنيعه في إنزاله ما ينفعهم، ويَنْصَحُ المُنزَّل عليهم.
(فإن قلت: كيف استقام قوله:(فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ) جزاء للشرط «2» ؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما إن عادى جبريل أحد من أهل الكتاب فلا وجه لمعاداته حيث نزل كتابا مصدقا للكتب بين يديه، فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه في إنزاله ما ينفعهم ويصحح المنزل عليهم. والثاني: إن عاداه أحد فالسبب في عداوته أنه نزل عليك القرآن مصدقا لكتابهم وموافقا له، وهم كارهون للقرآن ولموافقته لكتابهم، ولذلك كانوا يحرفونه ويجحدون موافقته له، كقولك: إن عاداك فلان فقد أذيته وأسأت إليه.) [1]
يقول تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ} بمخالفته أمر الله عنادًا، وخروجه عن طاعته مكابرةً، أو بمعاداة المقرَّبين من عباده، وصدَّر الكلم بذكر الله؛ تفخيمًا لشأن الحديث {و} لـ {ملائكته} {و} لـ {رسله} {و} لـ {جبريل وميكال} أفردهما بالذكر مع كونهما داخلين في جملة الملائكة؛ لبيان شرفهما؛ وإظهار فضلهما؛ وعلوِّ منزلتهما، وللردّ على اليهود حيث قالوا: جبريل عدوُّنا، وميكال ولِيُّنا.
(1) تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (1/ 170)