أي: من عادى هؤلاء المذكورين، فقد كفر، والكافر عدوٌّ لله {فَإِنَّ اللَّهَ} جواب الشرط، ولم يقل: فإنَّه؛ لاحتمال أن يعود إلى جبريل، أو ميكال،
(أقول: وكذلك لتهويل شأن خسارتهم إذ وضعوا أنفسهم في مقابل عداوة الله تعالى) {عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} ؛ أي: عدوٌّ لهؤلاء اليهود، وغيرهم من الكفرة، وأظهر في موضع الإضمار؛ فلم يقل: (عدو لهم) ؛ ليدلَّ على أنَّ الله إنّما عاداهم لكفرهم، والمعنى: من عاداهم عاداه الله، وعاقبه أشدَّ العقاب، أي: فإنّ الله سبحانه تولَّى بنفسه عداوة ذلك الكافر بالانتقام منه، وكفى رسله، وملائكته عن أمر من عاداهم.
والعداوة بين الله والعبد لا تكون حقيقةً، وعداوة العبد لله تعالى مجازٌ. ومعناها: مخالفة أمره، وعداوة الله للعبد مجازاته على مخالفته.
والخلاصة: أي إنَّ من عادى الله وعادى هؤلاء المقرَّبين عنده، فالله عدوٌّ له؛ لأنَّه كافرٌ به ومعادٍ له، وهو الظالم لنفسه حين دعاه فلم يجب، وفي هذا من شديد الوعيد ما لا يخفى، إذ فيه تصريحٌ بأنّهم أعداء الحق، وأعداء كلِّ من يدعو إليه، ومعاداة القرآن، كمعاداة سائر الكتب السماويّة؛ لأنَّ المقصد من الجميع واحدٌ، وهو هداية الناس، وإرشادهم إلى سبيل الخير، ومعاداة محمد - صلى الله عليه وسلم -، كمعاداة سائر الأنبياء؛ لأنَّ رسالتهم واحدة، والمقصد واحدٌ. [1]
ولذلك جاء بعدها قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) } .
{وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا} استئنافية، واللام فيه للقسم؛ أي: وعزّتي وجلالي، لقد أنزلنا {إِلَيْكَ آيَاتٍ} من القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه {بَيِّنَاتٍ} ؛ أي: واضحات الدلالة على معانيها، وعلى كونها من عند الله تعالى، مفصَّلاتٍ بالحلال والحرام، والحدود، والأحكام {وَمَا يَكْفُرُ بِهَا} ؛ أي: بالآيات {إِلَّا الْفَاسِقُونَ} ؛ أي: الخارجون
(1) راجع تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (2/ 127) بتصرف واختصار.