فهرس الكتاب

الصفحة 450 من 604

عن طاعة ربهم الحق، المتمرِّدون في الكفر من سائر الكفرة، فإنّ من ليس على تلك الصفة لا يجترئُ على الكفر بمثل هاتيك الآيات البينات.

فاللام في (الفاسقين) للجنس، والأحسن جعلها للعهد إشارةً إلى أهل الكتاب؛ لأنَّ الكلام فيهم، والمعنى حينئذٍ، إلّا الخارجون عن دينهم المحرِّفون لكتابهم؛ لأن اليهود خرجت بالكفر بمحمد - صلى الله عليه وسلم - عن شريعة موسى عليه السلام.

واعلم: أنَّ القرآن هو النور الإلهيُّ الذي كشف الله به الظُّلمات، واليهود أرادوا أن يُطفِئُوا نور الله، والله متم نوره، وليس لهم في ذلك إلا الفضاحة والخزي، كما إذا دخل الحمام ناسٌ في ليلٍ مظلم، وفيهم الأصحاء وأهل العيوب، فجاء واحدٌ بسراج مضيءٍ لا يسارع إلى إطفائه إلّا أهل العيوب، مخافة أن يُظهر عيوبهم للأصحَّاء. [1]

إنه الحسد الذي أدّى ببني إسرائيل إلى الكفر، وأوردهم موارد الهلاك- هذا الحسد قد جعلهم يحادّون الله علنا، ويجهرون بالتطاول على ملائكته، الذين يصدعون بأمره، ويحملون رحمته إلى عباده .. فهم يعلمون أن جبريل- عليه السلام- هو حامل كلمات الله إلى الرسول الكريم، وهم- مع علمهم هذا- يضمرون البغضة والعداوة لهذا الملك الكريم، لأنه حمل رحمة الله إلى عبد من عباد الله، وهم يرون أنهم أحق بهذه الرحمة وأهلها، وأن الله هو إلههم وحدهم، ورحمته مقصورة عليهم!! فكيف يحمل جبريل رحمة السماء إلى أرض غير أرضهم، وإلى جنس غير جنسهم؟

وانظر إلى قوله تعالى: «مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ» حيث الشرط الذي يفيد العموم، وهو يراد به بنو إسرائيل خاصة .. وفى هذا ما ينادى بأن هؤلاء القوم لا يحتاجون في هذا المقام إلى وصف أو تخصيص، فإذا ذكرت فعلة شنعاء دون متعلّق لها، فإنها لا تعلق إلا بهم، ولا تأخذ إلا بمخانقهم، من دون الناس جميعا، وإذا أطلقت صفة ذميمة على عمومها، فإنها تحوّم وتحوّم، ثم لا تسقط إلا على رءوسهم هم أولا.

(1) تفسير حدائق الروح والريحان (2/ 133)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت