قوله تعالى: {أوكلما عاهدوا عهدا} الواو واو العطف، دخلت عليها ألف الاستفهام كما تدخل على الفاء في قوله تعالى في قوله: {أَفَحُكْمَ الجاهلية} (المائدة: 50) ، {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم} (يونس: 42) ، {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ} (الكهف: 50) ، وعلى ثم كقوله: {أثم إذا ما وقع} . هذا قول سيبويه.
وقال الأخفش: الواو زائدة. ومذهب الكسائي أنها (أو) ، حركت الواو منها تسهيلا. وقرأها قوم (أوْ) ، ساكنة الواو فتجيء بمعنى (بل) ، كما يقول القائل: لأضربنك، فيقول المجيب: أو تعفو. قال ابن عطية: وهذا كله مُتكلَّف، والصحيح قول سيبويه. [1]
ويرى القاضي البيضاوي متابعا الزمخشري [2] أن الهمزة هنا للإنكار، والواو للعطف على محذوف تقديره: (أكفروا بالآيات وكلما عاهدوا) ، وبهذا ترتبط هذه الآية بما قبلها برباط لطيف تقتضيه قرينة التضام (وهى تعنى بافتقار الكلمة إلى تقدير يتم معنى الكلام ويحدده السياق، فتأمل) .
(فالمقصود من هذا الاستفهام الإنكار وإعظام ما يقدمون عليه، لأن مثل ذلك، إذا قيل بهذا اللفظ كان أبلغ في التنكير والتبكيت. ودل بقوله أَوَكُلَّما عاهَدُوا على عهد بعد عهد نقضوه ونبذوه. بل يدل على أن ذلك كالعادة فيهم. فكأنه تعالى أراد تسلية الرسول عند كفرهم بما أنزل عليه من الآيات، بأن ذلك ليس ببدع منهم بل هو سجيتهم وعادتهم وعادة سلفهم. على ما بيّنه في الآيات المتقدمة من نقضهم العهود والمواثيق حالا بعد حال. لأن من يعتاد منه هذه الطريقة لا يصعب على النفس مخالفته، كصعوبة من لم تجر عادته بذلك.
واليهود موسومون بالغدر ونقض العهود، وكم أخذ الله الميثاق منهم، ومن آبائهم، فنقضوا، وكم عاهدهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلم يفوا؛ قال تعالى: الَّذِينَ
(1) تفسير القرطبي (2/ 39)
(2) تفسير البيضاوي = أنوار التنزيل وأسرار التأويل (1/ 96)