فهرس الكتاب

الصفحة 454 من 604

عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ (الأنفال: 56) ، والنبذ الرمي بالذمام، ورفضه. وإسناده إلى فريق منهم، لأن منهم مَن لم ينبذه. وفي قوله: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} دفع لما يتوهم من أن النابذين هم الأقلون. [1]

قال العلامة ابن عاشور في التحرير (1/ 625) :

وأسند النبذ إلى فريقٍ منهم وليس كلهم: إما باعتبار العصور التي نقضوا فيها العهود كما تؤذن به (كلما) ، أو احتراسا من شمول الذم للذين آمنوا منهم. وليس المراد أن ذلك الفريق قليل منهم فنبه على أنه أكثرهم بقوله: {بل أكثرهم لا يؤمنون} وهذا من أفانين البلاغة وهو أن يظهر المتكلم أنه يوفي حق خصمه في الجدال فلا ينسب له المذمة إلا بتدرج وتدبر قبل الإبطال. ولك أن تجعلها للانتقال من شيء إلى ما هو أقوى منه في ذلك الغرض لأن النبذ قد يكون بمعنى عدم العمل دون الكفر. انتهى.

(قال تعالى: {وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ}

وهو تصريحٌ بما طُوى قبل. فإن نبذهم العهود التي تقدم الله إليهم في التمسك بها والقيام بحقها، أعقبهم التكذيب بالرسول المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، الذي في كتبهم نعته، كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ} (الأعراف: 157) الآية، فتنكير رسول للتفخيم. والجار في قوله {من عند الله} متعلق بجاء، لإفادة مزيد تعظيمه بتأكيد ما أفاده التنكير من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية أنه من عند الله تعالى.

وقوله {كِتابَ اللَّهِ} يعني التوراة، لأنهم بكفرهم برسول الله، المصدق لما معهم، كافرون بها، نابذون لها. وقيل {كِتابَ اللَّهِ} القرآن نبذوه بعد ما لزمهم تلقيه بالقبول.

(1) تفسير القاسمي = محاسن التأويل (1/ 362) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت