فهرس الكتاب

الصفحة 455 من 604

وقوله تعالى: {وَراءَ ظُهُورِهِمْ} مثَّل لتركهم وإعراضهم عنه، مثّل بما يُرمَي به وراء الظهر استغناءً عنه، وقلة التفاتٍ إليه.

وقوله {كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ} جملة حال، أي نبذوه وراء ظهورهم، متشبّهين بمن لا يعلمه. فإن أريد بهم أحبارهم، فالمعنى كأنهم لا يعلمونه على وجه الإيقان، ولا يعرفون ما فيه من دلائل نبوته صلّى الله عليه وسلّم. ففيه إيذان بأن علمهم به رصين، لكنهم يتجاهلون. أو كأنهم لا يعلمون أن القرآن كتاب الله.

وفي هذين الوجهين، زيادة مبالغة في إعراضهم عما في التوراة من دلائل النبوة. وإن أريد بما نبذوه من كتاب الله القرآن، فالمراد أنهم إنما يكفرون به مكابرة وعنادا. [1]

أقول: وتأمل معي حدة ودقة التعبير بألفاظ (نبذ) الذي تكرر مرتين في آيتين متتاليتين، وجملة (وراء ظهورهم) التي تعبر عن مدى تغلغل الكفر والجحود في قلوب القوم، ومدى سوء أدبهم وفعالهم، ومدى قبح جرائمهم، فإن هذه الألفاظ بحد ذاتها معبرة جدًا عن قبائح القوم، فتأمل. ثم اترك وجدانك يستقبل كلمة (كلما) التي تدل على تكرار خيانتهم ونقضهم العهود مرةً بعد مرةٍ. وكذلك قف بعقلك عند التعبير التهكمي الفاضح لخيبتهم في قوله تعالى: {كأنهم لا يعلمون} ؛ إنهم يظنون أنهم يخدعون الله ورسوله بإدعاء جهلهم، وهم عالمون بما نزل عليهم، وبصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن القرآن من عند الله تعالى؛ كافرون بما علموه يقينا.

(1) تفسير القاسمي = محاسن التأويل (1/ 362) بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت