قيل: قد يكون الشيء نافعًا من وجه وضارًا من وجه، وتعلم السحر لو احترزوا بمعرفته عمن يغوي لكان نفعًا، فلم ينتفعوا به من هذا الوجه واستضروا به لاستعمالهم إياه في غير الحق، فهو يضرهم ولا ينفعهم.
{ولقد علم} هؤلاء اليهود أن من اشتراه أى استبدل ما تتلو الشياطين من كتاب اللَّه {ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ} من نصيب. وَالْخَلَّاقُ: النَّصِيبُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قُدِّرَ لِكُلِّ أَحَدٍ نَصِيبُهُ، قال المفسرون: الخَلَاق من هذه الآية: النصيب من الجنة.
{وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} أى باعوها. أي: بئس شيء باعوا به حظ أنفسهم، حيث اختاروا السحر ونبذوا كتاب الله، لو كانوا يعلمون عاقبة ما يصير إليه من بخس حظه فِي الآخرة. ولو أنهم آمنوا بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والقرآن، واتقوا اليهود والسحر، لأثيبوا ما هو خير لهم في الدنيا والآخرة.
فإن قيل: كيف أثبت لهم العلم في أول الكلام {ولقد علموا} ونفى عنهم في آخره {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (البقرة: 103) ؟ فالجواب في ذلك من أوجه.
الأول: أن العلم المثبت لهم هو العقل الغريزي، وما جعله لهم بصيغته، والمنفي عنهم هو المكتسب الذي هو من جملة التكليف.
والثاني: أن المثبت لهم هو العلم بالجملة، والمنفي عنهم هو العلم بالتفصيل، فقد يعلم الإنسان مثلًا قبح الشيء ثم لا يعلم أن فعله قبيح، فكأنهم علموا أن شرى النفس بالسحر مذموم، لكن لم يتفكروا في أن ما يفعلونه هو من حملة ذلك القبيح.
والثالث: أنهم علموا عقاب الله، لكن لم يعلموا حقيقة عقابه وشدته.
والرابع: أن معنى قول {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} يعملون به، لأن من لا يعمل بما يعلم فهو في حكم من لا يعلم. (أفاده الراغب رحمه الله) .
قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103) }