فهرس الكتاب

الصفحة 497 من 604

أولا -تعقيب النسخ والتغيير بقوله تعالى: (ألَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فإن ذلك يتناسب بوضوح مع الآية بمعنى المعجزة القاهرة التي تدل (على قدرة الله وصدق رسوله) ، والمعجزة الكونية، ولا تظهر مناسبة مع آية التكليف.

وثانيا -قوله تعالى: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...(107)

فذكر هذا النص السامي يدل قياسًا أن النسخ أو الترك يكون لآية كونية بخير منها، تكون أبقى وأعظم أثرا.

ثالثا -أنه كان لوم على طلب آية أخرى، فقد قال تعالى: (أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ) هذه الآيات كلها جاءت تالية لآية النسخ وهي في تواليها تناسب أن تكون الآية المنسوخة معجزة من معجزات الرسالة الإلهية، ومعجزات النبيين.

ورابعا -أن النسخ يقتضي ألا يمكن الجمع بين الناسخ والمنسوخ، وليس في القرآن آيات تتعارض، ولا يمكن التوفيق بينها، والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده.

وإن الله تعالى إذا أنزل معجزة لنبي، وبدل بها معجزة فذلك من كمال قدرته وليس لمؤمن أن ينكر معجزة، ولا يطلب معجزة معينة، وألا يقال: إن الرسول الذي جاء بالمعجزة القاطعة مغتر، فقد قال تعالى: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّل قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) ، فإن الله العليم الحكيم هو الذي يختار من الآيات الدالة على رسالة أنبيائه ما يراه أقوى دلالة، وأكثر بقاء، فهو الذي يعلم الآيات كلها، وهو الذي يدبر كل شيء بحكمته، وإرادته، وإن الله أعلم حيث يجعل رسالته، وهو أعلم بمكان آيته. انتهى كلامه.

أقول: هنا نرى توجيها معتبرا لتأويل هذه الآية - وإن ظل فيه بعض التعسف -ولكننا لو قرأنا ما نقله السيوطي - رحمه الله - في إتقانه وتفسيره من رواياتٍ تدفع - دون قصدٍ- القلوب المرتجفة والنفوس الفاسدة والعقول القاصرة لكثيرٍ من الطعن على كتاب الله تعالى وتواتره، كما ذكرنا آنفًا في أصل الإشكالية هنا؛ لو قرأنا ذلك فنحن أمام طريقين هيِّنيْن؛ إما أن نمر على الآية مرور الكثيرين ونضعها في خانة ما لا نعلمه وتظل حكة الأسئلة حول الموضوع برمته في نفوسنا مستترة، أو نأخذ طريق من ينكر ويتأول متخذا السياق سبيلا أو حتى لاويا عنقه في ذلك كما فعل الشيخ أبو زهرة - رحمه الله- وغيره.

وأمامنا طريق ثالث أكثر عمقا وصعوبة، ولكنه يلائم حق القرآن علينا في التأمل والتدبر العميق دون تكلفٍ أو تعسفٍ أو تطرفٍ في التأويل والتوجيه.

مستعينين بدلالة النص الحكيم ذاته ومشابهه في القرآن وتوجيه السلف ودقائق السنة. والله سبحانه وحده المعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت