فهرس الكتاب

الصفحة 498 من 604

نقول - بحول الله تعالى: نفرق هنا بين حديثان:

-حديثٌ عن النسخ في أحكام الله تعالى - بجملته - سواء نسخ أحكام الإنجيل للتوراة أو نسخ أحكام القرآن لهما، وهو انتهاء العمل بحكم شرعه الله تعالى لانتهاء الفائدة منه إلى وقت معين يبدله الله تعالى بحكمٍ منه سواه.

-والحديث الآخر هو عن نسخ آيةٍ من القرآن بأخرى من القرآن أو من السنة.

أما حديثنا الأول فإنه بيان مدة المصلحة، والمصالح تختلف بالأوقات والأعيان والأحوال، فكذلك الأحكام، ألا ترى أن الله يصرِّف ملكه بين السراء والضراء لمصالح العباد يعلمها؛ قال تعالى: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} (الأعراف:54) ، فتغيير (نسخ) خلقٍ بخلقٍ منه سبحانه هو كنسخ أمرٍ بأمرٍ لا فرق إذ الكل ملكه وطوع قدرته سبحانه.

والنسخ واقعٌ في شرائع اليهود أنفسهم، فنسخ إباحة تزويج آدم أولاد صلبه ذوي الأرحام بعضهم من بعض، وتحريمه ثابت، كذلك جمع يعقوب عليه السّلام بين أختين، لايان وراحيل ابنتا خاله، ثمّ حرم ذلك التوراة، وكذلك ما حرم يعقوب-عليه السلام-على نفسه فحرمه الله على بني إسرائيل بعد إباحته، وغير ذلك كثير يدل على وقع تبديل حكمٍ بحكم سماوي آخر تربيةً منه سبحانه وعلما منه بمصلحة الوقت لعباده.

فالنسخ على هذا المعنى جائزٌ عقلا ونقلًا بالجملة.

(قال بعض الفضلاء: نزلت هذه الآية لمّا قال المشركون أو اليهود: إنّ محمدا يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه. وفي الآية ردّ عليهم بأنّ المقصود من نسخ الحكم السابق: تهيّؤ النفوس لأرقى منه. وهو معنى قوله تعالى: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها} لأنّ الخالق تعالى ربّى الأمّة العربية في ثلاث وعشرين سنة تربية تدريجية لا تتم لغيرها-بواسطة الفواعل الاجتماعية-إلّا في قرون عديدة.

لذلك كانت عليها الأحكام على حسب قابليّتها، ومتى ارتقت قابليتها بدّل الله لها ذلك الحكم بغيره. وهذه سنّة الخالق في الأفراد والأمم على حدّ سواء. فإنّك لو نظرت في الكائنات الحية-من أوّل الخلية النباتية إلى أرقى شكل من أشكال الأشجار، ومن أوّل رتبة من رتب الحيوانات إلى الإنسان-لرأيت أن النسخ ناموس طبيعيّ محسوس في الأمور المادّية. والأدبية معا ... !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت