فإنّ انتقال الخلية الإنسانية إلى جنين، ثم إلى طفل، فيافع، فشاب، فكهل، فشيخ، وما يتبع كل دور من هذه الأدوار-من الأحوال الناسخة للأحوال التي قبلها-يريك بأجلى دليل: أنّ التبدّل في الكائنات ناموس طبيعيّ محقق. وإذا كان هذا النسخ ليس بمستنكر في الكائنات، فكيف يستنكر نسخ حكم وإبداله بحكم آخر في الأمة، وهي في حالة نمو وتدرج من أدنى إلى أرقى؟ هل يرى إنسان له مسكة من عقل أن من الحكمة تكليف العرب-وهم في مبدإ أمرهم-بما يلزم أن يتصفوا به وهم في نهاية الرقيّ الإنسانيّ، وغاية الكمال البشريّ ... ؟! وإذا كان هذا يصح، وجب أن الشرائع تكلف الأطفال بما تكلف به الرجال، وهذا لم يقل به عاقل في الوجود ... ! وإذا كان هذا لا يقول به عاقل في الوجود، فكيف يجوز على الله-وهو أحكم الحاكمين-بأن يكلف الأمة-وهي في دور طفوليتها-بما لا تتحمله إلّا في دور شبوبيتها وكهولتها ... ؟
وأي الأمرين أفضل: أشرعنا الذي سنّ الله لنا حدوده بنفسه، ونسخ منه ما أراد بعلمه، وأتمه-بحيث لا يستطيع الإنس والجن أن ينقضوا حرفا منه-لانطباقه على كل زمان ومكان، وعدم مجافاته لأي حالة من حالات الإنسان.؟! أم شرائع دينية أخرى، حرّفها كهانها، ونسخ الوجود أحكامها-بحيث يستحيل العمل بها-لمنافاتها لمقتضيات الحياة البشرية من كل وجه؟!) [1]
أما حديثنا عن وقوع النسخ في القرآن الكريم، وهو تبديل حكم آية بأخرى فعلى ما قررنا من جملة جواز النسخ واقعٌ لا غبار عليه، وهو مذهب جمهور علماء المسلمين، والأئمة الأربعة الكبار، وجُلُّ الشيعة غير بعض الإمامية والمعتزلة، ومنهم أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني (أحد أئمة المعتزلة المتوفى عام 322 هـ.) الذي يرى أنه لا نسخ في القرآن قط؛ لأنه شريعة الله الباقية إلى يوم القيامة؛ ولأنه لم يصرح النبي صلى الله عليه وسلم بنسخ آية من القرآن، ولأن النسخ يقتضي أن تكون آيتان في القرآن موضعهما واحد، وإحداهما مثبتة والأخرى نافية، ولا يمكن الجمع بين النفي والإثبات.
ثم تأوَّل أبو مسلمٍ كثيرًا من الآيات التي ادعي فيها النسخ بنوع تخصيصٍ وبيانِ إحدى الآيتين الأخرى لا النسخ المعروف. وقد تصدى له د. مصطفى زيد في كتابه النسخ في القرآن الكريم وبيَّن خطأه، وأثبت أن على أبى مسلم أن ينقض دعوى النسخ في كل واقعةٍ ثبت النسخ فيها. كما تصدى له (علي حسن العريض) في كتابه (فتح المنان) ونقل ردود بعض العلماء عليه.
(1) تفسير القاسمي = محاسن التأويل (1/ 372)