ومن الكتاب والمفكرين المعاصرين ممن أنكر النسخ كذلك: (د. عبد المتعال محمد الجبري) في كتابه (النسخ في الشريعة الإسلامية كما أفهمه) ، وكتابه الثاني (لا نسخ في القرآن لماذا؟) ، وكذلك الشيخ (محمد الغزالي السقا) أنكر وقوع النسخ في كتابه (نظرات في القرآن) .
و (د. عبد الكريم الخطيب) في تفسيره، والشيخ محمد أبو زهرة في تفسيره، وغيرهم ...
والحق أن نفى النسخ في كتاب الله جملةً واحدةً هو خلقٌ علمىٌ متهورٌ لا يؤيده البحث المنصف، كما أن الانتقاص من قدر الذين فكروا وتدبروا -أيَّا بلغ رأيهم -وتضليلهم هو تطرفٌ موازٍ كذلك، إذ نحسب أنَّ نيتهم كانت في تنزيه القرآن ورفع قدره عن الطعن الذي توهموه، ولهم في ذلك بعض الحق، والله وليهم وولينا وهو نعم الوكيل.
هذا من حيث الجملة، وأما من حيث التفصيل فقد استدل مثبتوا وقوع النسخ في كتاب الله تعالى بثلاث آيات:
أولها: آية البقرة (106) {ما ننسخ من آيةٍ أو ننسها تأت بخير منها أو مثلها} ، وهى أكبر أدلتهم، وفيها تفصيلنا وبحثنا.
وثانيها قوله تعالى: {وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ} (النحل:101) ، والثالثة قوله: {يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وعنده أم الكتاب} (الرعد:39) وهذه لا دليل فيها مباشر على النسخ.
ثم كان استدلال المثبتون بإجماع السلف على وجود الناسخ والمنسوخ في كتاب الله، وفي إجماع تفصيلهم لضروب النسخ وحجيته وتأثير ذلك على تواتر كتاب الله نظرٌ كثير، ثم في اصطلاحهم ذاته عن معنى النسخ عندهم نظر كذلك.
وكي نصل معا بمنهجيةٍ منضبطةٍ لا أفراط ولا تفريط فيها نقف على أمور:
1 -معنى النسخ في لغة العرب وتوقيع ذلك على القرآن، ثم توقيعه على نص الآية في سياقها.
2 -اتساق معنى النسخ في الآية ودلالته مع نسق (الإنساء) أو (النسئ) في لفظة {أو ننسها} {أو ننسأها} في الآية.
3 -اتساق معنى النسخ والإنساء مع معنى التبديل والإتيان بآيةٍ مكان آيةٍ كما في آية سورة النحل، وكما في نسق الآية هنا {نأت بخير منها أو مثلها} .