فهرس الكتاب
وقول سادس-رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالضَّحَّاكِ أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ، الْمَعْنَى: أَيْنَمَا كُنْتُمْ مِنْ شَرْقٍ وَغَرْبٍ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ الَّذِي أَمَرَنَا بِاسْتِقْبَالِهِ وَهُوَ الْكَعْبَةُ.
السابع: وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا وَابْنِ جُبَيْرٍ لَمَّا نَزَلَتْ:"ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ"قَالُوا: إِلَى أَيْنَ؟ فَنَزَلَتْ:"فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ".
والثامن: وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَالنَّخَعِيِّ: أَيْنَمَا تُوَلُّوا فِي أَسْفَارِكُمْ وَمُنْصَرِفَاتكُمْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ.
وَالتاسع: قِيلَ: هِيَ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:"وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ"الْآيَةَ، فَالْمَعْنَى أَنَّ بِلَادَ لله أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ تَسَعُكُمْ، فَلَا يَمْنَعُكُمْ تَخْرِيبُ مَنْ خَرَّبَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ نَحْوَ قِبْلَةِ اللَّهِ أَيْنَمَا كُنْتُمْ مِنْ أَرْضِهِ.
وَالعاشر: قِيلَ: نَزَلَتْ حِينَ صُدَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْبَيْتِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فَاغْتَمَّ الْمُسْلِمُونَ لِذَلِكَ. فَهَذِهِ عَشَرَةُ أَقْوَالٍ.
قال القرطبي: وَمَنْ جَعَلَهَا مَنْسُوخَةً فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا خَبَرًا، لِأَنَّهَا مُحْتَمِلَةٌ لِمَعْنَى الْأَمْرِ. يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى"فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ": وَلُّوا وُجُوهكُمْ نَحْوَ وَجْهِ اللَّهِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ هِيَ الَّتِي تَلَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا أَمَرَ الْحَجَّاجُ بِذَبْحِهِ إِلَى الْأَرْضِ. [1]
قلتُ-جامعه: رحم الله شيخنا القرطبي فقد استقصى ونفع، وإن كان جعلها منسوخةً يبعد، وذلك من جهة أنها خبرٌ بالتخفيف ولا معارضة بينها وبين أصل التوجه إلى القبلة فهى مخصوصة بحال الخوف أو السفر أو عدم تبيُّن القبلة على ما تقدم. ولا تعارض بين الجميع.
والخلاصة أن الآية متسقة مع ما قبلها وفيها تخفيف من الله ورحمة. أما ما كثَّر به العلماء في تفاسيرهم من الاستطراد إلى مباحثٍ في فقه القبلة والصلاة عموما فليس بغرض النص ههنا.
قال ابن كثير رحمه الله: وهذا -والله أعلم-فيه تسليةٌ للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين أخرجوا من مكة وفارقوا مسجدهم ومصلاهم، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بمكة إلى بيت المقدس
(1) راجع تفسير القرطبي (2/ 79 - 83) ط دار الكتب المصرية القاهرة.