فهرس الكتاب
والكعبة بين يديه. فلما قدم المدينة وجه إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا، ثم صرفه الله إلى الكعبة بعد، ولهذا يقول تعالى: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} انتهى [1]
قال العلامة الرازي: فإن قيل: فأي هذه الأقاويل أقرب إلى الصواب. قلنا: إن قوله: فأينما تولوا فثم وجه الله مشعر بالتخيير والتخيير لا يثبت إلا في صورتين أحدهما: في التطوع على الراحلة. وثانيهما: في السفر عند تعذر الاجتهاد للظلمة أو لغيرها، لأن في هذين الوجهين المصلي مخير فأما على غير هذين الوجهين فلا تخيير.
ثم قال: إن فسرنا الآية بأنها تدل على تجويز التوجه إلى أي جهة أريد، فالآية منسوخة وإن فسرناها بأنها تدل على نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة فالآية ناسخة، وإن فسرناها بسائر الوجوه فهي لا ناسخة ولا منسوخة. [2]
أما عن تفصيل تفسير الآية: {ولله المشرق والمغرب} يطلق المشرق والمغرب على ناحيتىْ الأرض (شرقها وغربها) ، كما يطلق على مطلع الشمس ومغربها، اللام في قوله تعالى: {ولله} لام الاختصاص، والواو للابتداء. والمعنى أن ملك الشرق والغرب ومطلع الشمس ومغربها وما بينهما لله وحده لا شريك له في خلقه وتدبيره.
وقد أفرد هنا المشرق والمغرب، ثم ثناَّهما في قوله تعالى: {رب المشرقين ورب المغربين} (الرحمن: 17) ، وجمع في قوله: {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ} (المعارج: 40) .
وهذا دأب القرآن في حكمة تصريفاته، فحين عنى الجهة في المطلع والمغيب أفرد اللفظ.
وحين أشار إلى مشرق الشمس ومغربها في الشتاء، ومشرقها ومغربها في الصيف ثنَّاهما {المشرقين والمغربين} مع ملائمة خطاب الثقلين الممتد في سورة الرحمن كما في قوله: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . وأما قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ} (38 الزخرف) أى قال أحد هذين القرينين لصاحبه الآخر: وددت أن بيني وبينك بُعد المشرقين: أى بعد ما بين المشرق والمغرب، فغلَّب اسم أحدهما على الآخر، كما قيل: شبه القمرين، وكما قال الشاعر الفرذدق:
(1) تفسير ابن كثير ت سلامة (1/ 390)
(2) انظر تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (4/ 19)