فهرس الكتاب

الصفحة 550 من 604

وقد جرى التنويه آنفا على وجوهٍ من اختلافهم في سبب نزول الآية: -

فربما كان المعنى: أنه لما أخبر بمنع المخربين المؤمنين من عمارة مساجدهم، سلَّاهم سبحانه وأعلمهم أن لله ملك المشرق والمغرب وما بينهما، فهو الخالق والمدبر سبحانه فحيثما توجهتم بعملكم وطاعتكم فالله سبحانه حاضر بعلمه وسمعه وبصره رقيبٌ مجيبٌ يلقاكم بثوابه. فأخبر تعالى -كما قال الحرالي- بإضافة جوامع الآفاق إليه إعلامًا بأن الوجهة لوجهه لا للجهة، كما قال سبحانه في غير هذه الآية {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7] ، وهذا عندي أقوى الوجوه لاتصاله بالسياق قبله، وعلى هذا المعنى فالآية خبرٌ محض لا يدخله نسخ ولا تخصيص.

وربما قيل: الآية تمهيدٌ وتوطئةٌ للإذن للمسلمين بتحويل القبلة أو رد لما عساه أن يشبِّه ويلبِّس على الناس في أمرها، فكأنه يعني: أن لله المشرق والمغرب فأينما تكون القبلة سواء إلى بيت المقدس أو إلى الكعبة فإن ذلك لله وبأمره، وهو سبحانه بعلمه لا يحده زمان ولا مكان، كما قال تعالى في غير هذه الآية {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142] ، وعلى هذا أيضا فالآية محكمة لا نسخ فيها.

وربما قيل: فإذا غُمَّ على أحدكم أمر القبلة واشتبه في غيمٍ أو غيره، فليجتهد في تحري القبلة، فإن أخطأ فلا إثم عليه إذ أن كل الجهات شرقا وغربا وما بينهما هي خلق الله وتحت سمعه وبصره {فلله المشرق والمغرب} وقوله {إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} يدل على تَوْسيعه سبحانه على الناس في شيءِ رُخِّص لهم به؛ كما قال الزجاج رحمه الله. فالآية على هذا من باب الرخص وهى مخصوصة من آية القبلة {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام} ، فلا نسخ. وإن صح سبب نزولها في اشتباه القبلة على بعض صحب رسول الله، فهو سبب خاص والآية عامة والقاعدة: أن عموم اللفظ مقدم على خصوص السبب ويدخل فيه السبب دخولا أوليًا ... وفيه من الله توسعةٌ وفقهٌ عظيما لقومٍ يعلمون!

وقال قتادة وغيره:"هذا منسوخ، وذلك أن الله تعالى أباح لهم أولًا التوجه حيث شاءوا، وأخبرهم أنه أينما تولوا وجوهكم فثمَّ وجه الله، لأن له المشارق والمغارب، ثُمَّ نسخ ذلك بقوله: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام} . والقول بالنسخ هنا لابد له من نقلٍ صريحٍ يصح، ومعرفة أي الخبرين أسبق وأيهما المتأخر، وكذلك عدم إمكانية الجمع بين الآيتين من كل وجه، وكذلك رفع احتمالية أن يكون الخبر محضا لا إنشاء في معناه"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت