فهرس الكتاب
تماما إذ الأخبار المحضة لا نسخ فيها. فلذلك تصعب جدا دعوى النسخ ههنا وإن احتُملت، كما أن النسخ يرفع العمل بالنص المنسوخ تماما، وهو ممتنع ههنا إذ العمل بهذه الرخصة قائم حال الغيم وظرف التباس القبلة أو عدم معرفتها، أو على الراحلة في صلاة التطوع حيث لا يلزم التوجه للقبلة، وتلك الحالات مروىٌ العمل بالآية فيها بالأسانيد الصحاح عن رسول صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن عمر:"الآية نزلت في التطوع، وكان يصلي حيثما توجهت به الراحلة ويقول: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله} ".
وقيل:"نزلت في قوم عُمِّيَت (التبست) عليهم القبلة، فصلوا إلى جهات مختلفة، فأُعلموا أن صلاتهم ماضية"صحيحة، وإليه ذهب ابن عباس وجماعة.
ورأيت في الآية قولا حسنا: إذ لما جرى سياق الآيات قبلها يذكر ظلم من تعدى على مساجد الله ومنع المؤمنين من إعمارها، جاءت الرخصة والاختصاص بالنعمة من الله لعباده أن جعل لهم الأرض مسجدا وطهورا كما قال رسول الله فيما صح عنه، فأينما صلى المؤمنون، واستقبلوا القبلة التي أمرهم الله في أى مكانٍ {فثَمَّ وجه الله} حاضرٌ شاهدٌ وهو (الواسع العليم) يسع علمه وقدرته وبصره وسمعه السماوات والأرض، ويسع فضله وتيسيره الخلق كلهم. وفي هذا يقول صاحب الكشاف: يعنى بلاد المشرق والمغرب والأرض كلها للَّه هو مالكها ومتوليها، ففي أى مكان تولون وجوهكم شطر القبلة بدليل قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} . فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ أى جهته التي أمر بها ورضيها. والمعنى أنكم إذا مُنِعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس، فقد جعلت لكم الأرض مسجدًا فصلوا في أى بقعةٍ شئتم من بقاعها، فإن التولية ممكنة في كل مكان لا يختص إسكانها في مسجدٍ دون مسجد، ولا في مكان دون مكان. إِنَّ اللَّهَ واسِع الرحمة يريد التوسعة على عباده والتيسير عليهم {عَلِيمٌ} بمصالحهم. [1]
قلتُ: وهذا القول يجمع في العمل بين الآيتين، (وإذا أمكن الجمع بين الآيتين بطلت دعوى النسخ) ، ولعل هذه قاعدة جليلة في التفسير، لأن إبطال العمل بآيةٍ من كتاب أمرٌ خطيرٌ لا يصح بغير يقين.
والخلاصة أن الآية خبرٌ من الله تعالى ينبأ بحقيقة الأعمال وأن لبها وروحها الإخلاص، فليس العبرة بالاتجاه أو بعمل الأجسام دون عمل القلب واتجاهه إلى الله تعالى العليم المحيط، وفيه توسعةٌ من الله على خلقه وفقهٌ عظيم
(1) تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (1/ 180) بتصرف يسير واختصار