فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 604

ورأى بعضهم أنّ هذه الفواتح حروف مقطّعة كل حرف منها مأخوذ من اسم من أسمائه تعالى، أو يكتفى به عن كلمة تؤلف مع سواها جُملًا يتصل معناها بما بعدها أو يشير إلى الغرض من السورة المفتتحة بها، كقولهم في (ألر) : أنا الله أرى، وفي (طسم) : طور سيناء وموسى، لأن السورتين اللتين تفتتحان بهذه الحروف تقصّان خبر صاحب التوراة في طور سيناء.

ولا يخفى على أحد ما في هذه الآراء كلها من التخرصات والظنون: فقد قيل في كل مما ذكرنا أقوال مختلفة يذهب فيها الباحثون مذاهب شتى. وأمثال هذه التأويلات لا تتناهى ولا تقف عند حدّ، وما هي إلا آراء شخصية مردّها هوى كل مفسّر وميله.

وآثر قوم أن يقولوا: إن الفواتح برمّتها، وعلى اختلاف صيغها، اسم الله الأعظم، عُبّر عنه تعبيرات مختلفة تباين ما عهدناه في تأليف كلامنا.

وشبيه بهذا رأي من قال: إن أوائل السور قَسَم أقسم الله فيه بنفسه، لأن كل فاتحة منها اسم من أسماء الله، ولا يبعد عن هذا التأويل اعتبار هذه الحروف أسماءً علَمية للقرآن بوجه عام، أو لبعض سور القرآن المفتتحة بها بوجه خاص. ا. ه. [1]

(1) من مقال بعنوان: أضواء على تفسير سورة البقرة للدكتور صبحي الصالح رحمه الله، المصدر: مجلة الفكر الإسلامي-العدد 2 ....

ثم قال رحمه الله تعالى: ما الذي نختاره إذن لتفسير هذه الفواتح أو لتبيان الحكمة من إيرادها في بعض السور على الأقل؟

يخيّل إلينا - ونسأل الله ألا نكون مخطئين - أن رأي الإمام السيد رشيد رضا في هذه الفواتح هو أقربها إلى الصواب. ونرى لزامًا علينا أن ننقل عبارته بنصها من تفسير المنار: (( من حسن البيان وبلاغة التعبير، التي غايتها إفهام المراد مع الإقناع والتأثير، أن ينبّه المتكلمُ المخاطبَ إلى مهمّات كلامه والمقاصد الأولى بها، ويحرص على أن يحيط علمه بما يريده هو منها، ويجتهد في إنزالها من نفسه في أفضل منازلها. ومن ذلك التنبيه لها قبل البدء بها لكيلا يفوته شيء منها. وقد جعلت العرب منه هاء التنبيه وأداة الاستفتاح، فأيّ غرابة في أن يزيد عليها القرآن الذي بلغ حد الإعجاز في البلاغة وحسن البيان، ويجب أن يكون الإمام المقتدى، كما أنه هو الإمام في الإصلاح والهدى؟! ومنه ما يقع في أثناء الخطاب من رفع الصوت وتكييفه ما تقتضيه الحال من صيحة التخويف والزجر، أو غُنّة الاسترحام والعطف، أو رنّة النعي وإثارة الحزن، أو نغمة التشويق والشجو، أو هيعة الاستصراخ عند الفزع، أو صخب التهويش وقت الجدل، ومنه الاستعانة بالإشارات وتصوير المعاني بالحركات، ومنه كتابة بعض الكلمات أو الجمل بحروف كبيرة أو وضع خط فوقها أو تحتها ... ) )إلى آخر ما ذكره.

وإن إنطباق هذه الحكمة على الواقع النفسي لمن كان القرآن موجهًا إليهم حين نزول الوحي، لا يزيدنا إلا استمساكًا بهذا الرأي. ولأمر ما افتتحت جميع السور التي في أولها حروف مقطّعة بذكر الكتاب، وهذا ينطبق حتى على سور: مريم، والعنكبوت، والروم، ون، لأنها - وإن لم تفتتح بذكر الكتاب - قد اشتملت على معان تتعلق بإثبات الوحي والنبوة.

ومن المعلوم أن هذه السور كلها مكية إلا البقرة التي نفسرها وآل عمران التي تليها. فأما المكية فلدعوة المشركين إلى إثبات النبوة والوحي، وأما الزَهّرَاوَان (أي البقرة وآل عمران) فلمجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن، وتحريك دواعي النظر عندهم للإيمان بالدين الحنيف. ويزداد هذا الرأي وضوحًا إذا سلّمنا بأن الزَهْرَاوَيْن كانتا من أوائل السور نزولًا في المدينة كما هو المشهور، وبنزولهما مفتتحتَيْن بهذه الحروف المقطّعة تمّت الحكمة الإلهية من تنبيه اليهود إلى الدعوة الجديدة وإثارة اهتمامهم بها، فلم يعد في استمرار الإفتتاح بتلك الحروف بعد الزهرواوَيْن حكمة ظاهرة باهرة، ولذلك نزل الوحي بعدهما خاليًا من تلك الفواتح.

فإذا استُهلّت سورة البقرة بهذه الحروف المقطّعة (الم) فالحكمة - والله أعلم وأحكم - إثارةُ أهل المدينة، ولا سيما اليهود وبعض العرب الذين لمَّا يعتنقوا الإسلام، إلى الاهتمام بما يوحيه الله إلى نبيّه في القرآن"ذلك الكتاب لا ريب فيه، هدى للمتقين". ا. ه. وراجع كلام العلامة الشوكاني في المتن فهو المختار عندي بعد البحث العميق والله تعالى أعلم ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت