فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 604

يقول العلامة صبحي الصالح:

على أنّ في مستهلّ السورة حروفًا ثلاثة مقطعة (( ألفْ - لامْ - ميمْ ) )، فما هي حقيقتها. وإن تكُ سرًا استأثر الله بعلمه فما حكمة تنزيلها وعدّها هي ونظائرها في بعض السور آيات تتلى وترتّلُ ترتيلًا؟

ولقد مضى السلف الصالح يعتقدون بأنّ هذه الفواتحُ نظِمت في القرآن على هذا النمط منذ الأزل لتعجز البشر عن الإِتيان بمثل هذا الكتاب المجيد لو كان بعضهم لبعض ظهيرًا. وآثروا - رغم خوضهم في حكمة ورودها - أن يحيطوها بِجوّ من التورع عن تفسيرها، والتخوّف من إبداء رأي صريح فيها، فهي من المتشابه الذي لا يعلم تأويلَه إلا الله، وهي سرّ هذا القرآن.

والاعتقاد بأزلية هذه الحروف قد أحاطها بالسرّية، وسرّيّتها قد أحاطتها بالتفسيرات الباطنية، وتفسيراتها الباطنية خلعت عليها ثوبًا من الغموض لا داعي إليه، ولا معوّل عليه.

وأدخَلُ تلك الآراء معنى الغموض قولُ مَنْ عدّ هذه الحروف على حساب (( الحُمّل ) )ليستنبط منها مدة بقاء هذه الأمة، أو التنبيه على كرامة شخص أو شيعة معينة: زعم بعضهم مثلًا أن عدد هذه الحروف - مع حذف المكرّر - للإشارة إلى بقاء هذه الأمة، وزعم آخرون أن بعض الأئمة استخرج من قوله تعالى (الم. غُلبت الروم) أنّ بيت المقدس يفتحه المسلمون في سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة، وأن الأمر وقع كما قال!

وهذا الضرب من الاستخراج الحسابي يعرف باسم (عدّ أبي جاد) ، وقد شدّد العلماء في إنكاره والزجر عنه، وأكدوا أنه من جملة السحر، وأنه لا أصل له في الشريعة، وللمتصوفة في هذا المجال آراء أبعد شطحًا، وأغرب لفظًا، وأغمض معنى، تستمدّ سرّيّتها من مصطلحاتهم وأسرارهم، وتنبئ عن مدى توغّلهم في الشطحات الغامضة البعيدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت