أحدهما: الغيب الذي يُبتلَى (يُختبَر) فيه المدعي دينًا ليُعرَف حقيقة إيمانه .. فالإيمان في الحقيقة هو التصديق بالغيب وإلا فهو إدعاء كاذب، فما تراه وتعرفه وتدرك كل معانيه لا يقال له إيمان .. ولا ينعقد عليه صحة الدين ..
ومن هذا العنصر الحروف المقطعة في أوائل السور، وغيرها من المتشابهات التي وردت في القران ولا يعلم حقيقة تأويلها إلا الله سبحانه فهى ابتلاء لمدعي الإيمان حتى يقولون: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) } [آل عمران: 7] فيثبت إيمانهم .. وسيأتينا على هذا المعنى مزيد شرح وبيان في كلامنا على هذه الآية من سورة آل عمران بإذن الله تعالى.
ولذلك جاء في أول احتكاك مع هذه الحروف المقطعة الإشارة إلى هذا المعنى من الإيمان واليقين في الغيب {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) } [البقرة: 1 - 3] .. فجعل أكثر الهدى والاهتداء بالقرآن للمؤمنين بالغيب، فهم أكمل الناس انتفاعا به ومن عداهم فله نصيب بإذن الله وهدايته ...
والعنصر الآخر من عناصر الدين: هو المنهج ودستور السير والعمل في الحياة .. وفي هذا العنصر يتحدث القرآن فيبين ويحكم آياته بلا لبس ولا غموض معنى .. ليستنبط أولى العلم الأحكام والهدايات الربانية في السر في الحياة مفصلة وواضحة .. وهذا القسم لا غبار عليه وهو الآيات المحكمات ..
وإن المؤمنين وأولى العلم منهم خاصةً يردون المتشابه الذي لا يعلم حقيقة معناه إلا الله تعالى إلى المحكم الذي لا لبس في معانيه .. وبذلك لا يضر القليل من المتشابه كالحروف المقطعة وغيرها في بيان ووضوح وفصاحة وبلاغة القرآن العظيم ...