فهرس الكتاب

الصفحة 569 من 604

فلقد أدرك معسكر الشرك قديما دور العقيدة في بناء إمبراطورية الإسلام الراقية. ويدرك حديثا دور العقيدة في استعادة مجد هذه الأمة. لقد وعووا جيدا قول ابن خلدون في مقدمته الذي قرر فيه أن العرب أمة لا تصلح ولا تجتمع بغير دين [1] ؛ فإذا خلوا من الدين لم يكن لهم من الانحطاط مانع، فظلت سهام الحاقدين إذن -مهما لفقوا وتدثروا بنفاقهم - موجهةً إلى قلب حضارة الإسلام (العقيدة الحية) . فمن حروبٍ صريحةٍ لإبادة الإسلام، إلى حروب ناعمة في الفكر والثقافة والإعلام. ومن السيف والرمح والدبابة والطائرة والمدفع إلى الفكرة والقلم والميكروفون والمنبر. من إيقاع الفتنة بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد زمن الوحي بقليلٍ؛ إلى اختراع فرق الروافض والباطنية وغيرها لتكون الشوكة الملتهبة في ظهر الإسلام؛ إلى حروب الصليب الممتدة لإبادة الإسلام دفعةً واحدةً؛ ثم إنهاك خلافة المسلمين إلى إنهائها على أيدي الزنديق (مصطفى كمال أتان تورك) ، إلى استخراب بلاد المسلمين بالدبابة والمدفع؛ إلى استخرابها بالاستشراق والعلمنة والمذاهب الضالة التي تولى كبرها المنافقون والعملاء من جنسنا. وكل ذلك وراءه الحقد الصهيو/نصراني الذي لن يكف حتى يزيح الدين الذي يفضح عورته على الملأ ويبين فساد أديانهم وضلالها.

قال الشيخ الشعرواي رحمه الله ما معناه: إذا رأيت اليهود أو النصارى قد رضوا عن أحدهم فأعلم أنه اتبع ملتهم، فهذا ظاهر قوله تعالى: «وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ ملتهم". انتهى"

ولكن برغم تكرار الآيات وتأكيد القرآن على حجم هذه العداوة والمفاصلة التامة بين منهج الحق وسبل الباطل؛ نجد المثبطين يميِّعون المسألة دائما لصالح أسيادهم في الغرب.

ورحم الله الشيخ الندوي (1332 - 1420 هـ) إذ يقول:

«إن الشعوب الإسلامية والبلاد العربية - مع الأسف - ضعيفة الوعي، إذا تحرجنا أن نقول: فاقدة الوعي، فهي لا تعرف صديقها من عدوها ولا تزال تعاملهما معاملة سواء أو تعامل العدو أحسن مما تعامل الصديق

(1) قال ابن خلدون في مقدمته الشهيرة (1/ 189) : الفصل السابع والعشرون: في أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة.

والسّبب في ذلك أنّهم لخلق التّوحّش الّذي فيهم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض للغلظة والأنفة وبعد الهمّة والمنافسة في الرّئاسة فقلّما تجتمع أهواؤهم. فإذا كان الدّين بالنّبوءة كان الوازع لهم من أنفسهم وذهب خلق الكبر والمنافسة منهم فسهل انقيادهم واجتماعهم وذلك بما يشملهم من الدّين المذهب للغلظة والأنفة الوازع عن التّحاسد والتّنافس. فإذا كان فيهم النّبيّ الّذي يبعثهم على القيام بأمر الله يذهب عنهم مذمومات الأخلاق، ويأخذهم بمحمودها، ويؤلّف كلمتهم لإظهار الحقّ تمّ اجتماعهم وحصل لهم التّغلّب والملك، وهم مع ذلك أسرع النّاس قبولا للحقّ والهدى لسلامة طباعهم من عوج الملكات وبراءتها من ذميم الأخلاق إلّا ما كان من خلق التّوحّش القريب المعاناة المتهيّئ لقبول الخير. انتهى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت