والجواب: فائدتها الكناية عن اليأس من اتباع اليهود والنصارى لشريعة الإسلام يومئذ لأنهم إذا كانوا لا يرضون إلا باتباعه صلى الله عليه وسلم ملتهم، وذلك مستحيل قطعا فهم لا يتبعون ملته ... والتصريح بلا النافية بعد حرف العطف فِي قوله: {ولا النصارى} للتنصيص على استقلالهم بالنفي وعدم الاقتناع باتباع حرف ينسقهم مع اليهود، لأنهم كانوا يظن بهم خلاف ذلك لإظهارهم شيئًا من المودة للمسلمين كما فِي قوله تعالى: {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} [المائدة: 82] ، فجاء النفى مستقلا لهم أيضا قطعا للأمل في إنصافهم للحق.
ثم سأل: لم عبَّر القرآن عن طريقتهم بالملة مرة في قوله تعالى: {حتى تتبع ملتهم} ، وبالأهواء مرة أخرى {ولئن اتبعت أهواءهم} ؟
والجواب: عبر عن طريقتهم هنالك بالملة نظرًا لاعتقادهم انهم أهل كتاب وعلى الحق وشهرة ذلك عند العرب، وعبر عنها هنا بالأهواء بعد أن مهَّد لدحض ما هم عليه من تحريف الدين بقوله تعالى: {إن هدى الله هو الهدى} ؛ أي الهدى الحق المبني على الدلائل بغير تحريف هو هدى الله في القرآن. والهوى رأي ناشئٌ عن شهوةٍ لا عن دليلٍ، فذكر آخر آخرا أنهم عدلوا عن الملة التي جاء بها نبيهم إلى أهواءهم الضالة. [1]
«وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ» .
الخطاب هنا خاصٌ بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومراده العموم.
قال أبو حيان: في قوله تعالى: {وَلَنْ تَرْضى ... } خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَّقَ رِضَاهُمْ عَنْهُ بِأَمْرٍ مُسْتَحِيلِ الْوُقُوعِ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ اتِّبَاعُ مِلَّتِهِمْ. وَالْمُعَلَّقُ بِالْمُسْتَحِيلِ مُسْتَحِيلٌ.
وَهُوَ خِطَابٌ لَهُ، وَهُوَ تَأْدِيبٌ لِأُمَّتِهِ، فَإِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ قَدْرَهُ عِنْدَ رَبِّهِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِيَتَأَدَّبَ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ، فَلَا يُوَالُونَ الْكَافِرِينَ، فَإِنَّهُمْ لَا يُرْضِيهِمْ مِنْهُمْ إِلَّا اتِّبَاعُ دِينِهِمْ.
وَهُوَ خِطَابٌ لَهُ، وَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ، لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ لَا يُمْكِنُ مَا خُوطِبَ بِهِ أَنْ يَقَعَ مِنْهُ، فَيُصْرَفُ ذَلِكَ إِلَى مَنْ يُمْكِنُ ذَلِكَ مِنْهُ، مِثْلُ قَوْلِهِ: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} ، وَيَكُونُ تَنْبِيهًا مِنَ اللَّهِ عَلَى أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُخَادِعُونَكُمْ بِمَا يُظْهِرُونَ مِنَ الْمَيْلِ وَطَلَبِ الْمُهَادَنَةِ وَالْوَعْدِ بِالْمُوَافَقَةِ، وَلَا يَقَعُ رِضَاهُمْ إِلَّا بِاتِّبَاعِ مِلَّتِهِمْ. انتهى [2]
(1) التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور حـ 1 صـ 397 - 399
(2) البحر المحيط في التفسير (1/ 590)