فهرس الكتاب

الصفحة 573 من 604

قلتُ: فليس التهديد والوعيد هنا لرسول الله-صلى الله عليه وسلم-وإنما هو للمؤمنين يردهم أن ينكصوا على أعقابهم ويميلوا إلى أولئك الهالكين فيتبعونهم في ضلالهم، ولما كان الخطاب لخير خلق الله بهذه المثابة من القوة؛ صار من الأولى أن يفهم المؤمنون مدى حمق وخسارة الذين يضعفون أمام معاول أهل الكفر والخسران وحيلهم ومكرهم، كما في المثل السائر عند العرب: (إياك أعني واسمعي يا جارة) [1] يُضرب مثلًا لمن خاطب شخصا وقصد غيره على الحقيقة.

وهكذا كل خطابٍ لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-فيه توهُّم نوعٍ من الشدة في القرآن الكريم، فإن مَن أظهر النهى وشدَّد فيه وتوعَّد عليه لحبيبه وخليله فهو لغيره ممن دون ذلك أشد وأنكى. وهذا من فقه بلاغة اللغة في الخطاب القرآني فتأمله

وهذا مقصود العلامة الآلوسي حين رأيته -بعد-في روح البيان ح 1 ص 315 يقول:

وهذه الجملة الشرطية الفرضية واردة على منهاج التهييج والإلهاب للثبات على الحق وفيه لطف للسامعين وتحذير لهم عن متابعة الهوى فإن من ليس من شأنه ذلك إذا نهى عنه ورتب على فرض وقوعه ما رتب من الانتظام ف سلك الراسخين في الظلم فما ظن من ليس كذلك. انتهى

قال في البحر: وَوُحِّدَتِ"الْمِلَّةُ"، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ مِلَّتَانِ (اليهود والنصارى) ، لِأَنَّهُمَا يَجْمَعُهُمَا الْكُفْرُ، فَهِيَ وَاحِدَةٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، أَوْ لِلْإِيجَازِ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْجَمْعِ فِي الضَّمِيرِ، نَظِيرُ: {وَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى} ،

(1) قولهم:"إِيَّاكِ أَعْنِي واسْمَعِي يا جَارَة"

أول من قال ذلك سهْل بن مالك الفزاري. وذلك أنه خرج يومئذ فمرّ ببعض أحياء طيء، فسأل عن سيد الحي فقيل له: حارثة بن لأْم. فأمَّ رحله فلم يُصبه شاهدًا قالت له أخته: انزل في الرحب والسعة، فنزل فأكرمته وألطفته. ثم خرجت من خِباءٍ إلى خباء فرأى أجمل أهل دهرها وأكملهم، وكانت عقيلة قومها وسيدة نسائها. فوقع في نفسه منها شيء، فجعل لا يدري كيف يرسل إليها ولا ماوافقها من ذلك. فجلس بفناء الخباء يومًا وهي تسمع كلامه وهو ينشد:

يا أُخْتَ خَيْرِ البَدْوِ والحضارهْ ... كيف تَرَيْنَ في فَتَى فَزَارَهْ

أَصْبَحَ يَهْوَى حُرَّةً مِعْطَارَهْ ... إِيَّاكِ أَعْنِي واسْمَعِي يا جَارَهْ

فلما سمعت قوله عرفت أنه إياها يعني، فقالت: ماذا بقول ذي عقل أريب، ولا رأيٍ مُصيب، ولا أنفٍ نجيب. فأقِم ما أقمت مُكرَّمًا، ثم ارتحِل إذا شئت مُسلَّما. فاستحيا من قولها وقال: ما أردت مُنكرًا واسَوْأتاه. قالت: صدقت. وكأنها استحيت من تسرعها إلى تهمته. فارتحل فأتى النعمان فحباه وأكرمه. فلما رجع نزل على أخيها، فبينما هو مُقيم عندهم تطلّعت إليه نفسُها وكان جميلًا. فأرسلت إليه أن اخطُبني إن كانت لك فيّ يومًا من الدهر حاجة، فإني سريعة إلى ذلك. فخطبها وتزوجها وسار بها إلى قومه. انتهى من الفاخر لأبي طالب المفضل بن سلمة (ص: 158) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت