لِأَنَّ الْمَعْلُومَ أَنَّ النَّصَارَى لَنْ تَرْضَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ، وَالْيَهُودَ لَنْ تَرْضَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْكُفْرِ، أَهُوَ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ مِلَلٌ؟ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي الِارْتِدَادِ مِنْ مِلَّةٍ إِلَى مِلَّةٍ، وَفِي الْمِيرَاثِ، وَذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي الْفِقْهِ.
وَالْأَهْوَاءُ: جَمْعُ هَوًى، وَكَانَ الْجَمْعُ دَلِيلًا عَلَى كَثْرَةِ اخْتِلَافِهِمْ، إِذْ لَوْ كَانُوا عَلَى حَقٍّ لَكَانَ طَرِيقًا وَاحِدًا، كما قال تعالى: {وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} . وَأَضَافَ الْأَهْوَاءَ إِلَيْهِمْ لِأَنَّهَا بِدَعُهُمْ وَضَلَالَاتُهُمْ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَصْحَابُ الْبِدَعِ: أَرْبَابَ الْأَهْوَاءِ. انتهى [1]
وفي (أَهْوَاءَهُمْ) إِنما جمع ولم يقل (هواهم) ، لأن جميع الفرق ممن خالف النبي -صلى الله عليه وسلم -لم يكن ليرضيهم منه إلا أتباع هواهم، ثم إن القوم اختلفوا على أنفسهم في كفرهم بعقائدَ ومللٍ شتى، لا يجمعهم سوى الحرب على الإسلام.
ثم فيه تنبيه أن الحق واحدٌ والهوى يتشعب بأصحابه لكلٍ منهم هوى غير صاحبه.
ثم هوى كل واحد منهم لا يتناهى، ونحو ذلك قوله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} ، وقوله: {قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} ، وقوله للمؤمنين: {وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ} ، وقال: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} ، وذلك تحذير من الهوى جملةً.
وقد تعلق بهده الآية من يجعل الكفر كله ملةً واحدة، لأنه جمع بين اليهود والنصارى، وسمي طريقتهما ملة واحدة. وهم في حربهم على الإيمان والحق ملةٌ واحدة، أما في ذوات أنفسهم فشتى.
وقوله تعالى: {بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} أي من الدِّينِ وَجَعَلَهُ عِلْمًا، لِأَنَّهُ معلوم بالبراهين الصحيحة. وقيل: العلم هنا القرآن ببراهينه الساطعة، والأمر أعم يشمل الإسلام والقرآن والشريعة وغيره.
وفي هذه الجملة نكتٌ بديعة: فقد جعل الدين علما يحتاج المتكلم فيه إلى التعلم أولًا، ومثله قوله تعالى {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} الآية (محمد: 19) ردًا على الخائضين في دين الله بالباطل وبغير علم.
ثم العلم في الدين علمان: علم بالله، وعلم عن الله.
فالعلم بالله أعلى درجات العلم، ولا يخيب صاحبه أبدا، وهو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله الذي يورث الإيمان واليقين ويزيدهما، وأكثره من فيض الله وعطائه وتوفيقه، وفيه أكثر فقه السلف وديدنهم. وأما العلم عن
(1) البحر المحيط في التفسير (1/ 590)