وَالْكَلِمَاتُ التي ابتلى بها إبراهيم عليه السلام لَمْ تُبَيَّنْ فِي الْقُرْآنِ مَا هِيَ، وَلَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيهَا أَقْوَالٌ: ذكروها .... [1]
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {بِكَلِماتٍ} أَيْ: بِشَرَائِعَ وَأَوَامِرَ وَنَوَاهٍ، فَإِنَّ الْكَلِمَاتِ تُطْلَقُ، وَيُرَادُ بِهَا الْكَلِمَاتُ الْقَدَرِيَّةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ} (التَّحْرِيمِ: 12) وَتُطْلَقُ، وَيُرَادُ بِهَا الشَّرْعِيَّةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} (الْأَنْعَامُ: 115) أَيْ: كَلِمَاتُهُ الشَّرْعِيَّةُ، وَهِيَ إِمَّا خَبَرُ صِدْقٍ، وَإِمَّا طَلَبُ عَدْلٍ إِنْ كَانَ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا، وَمِنْ ذَلِكَ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ: {وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ} . [2]
وهنا قاعدة من قواعد التفسير: ما جاء في كتاب الله تعالى مجملًا مبهمًا، فلا فائدةَ في تفصيله وتفسيره إلا أن تفسره السنة الصحيحة أو يتعلق بالأحكام التكليفية فيُنظر في إجماله.
ونقرأ هنا قول العلامة ابن كثير في مقدمة تفسيره:
وَيَأْتِي عَنِ الْمُفَسِّرِينَ خِلَافٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ، كَمَا يَذْكُرُونَ فِي مِثْلِ هَذَا أَسْمَاءَ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، ولون كلبهم، وعددهم، وَعَصَا مُوسَى مِنْ أَيِّ الشَّجَرِ كَانَتْ، وَأَسْمَاءَ الطُّيُورِ الَّتِي أَحْيَاهَا اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ، وَتَعْيِينَ الْبَعْضِ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ الْقَتِيلُ مِنَ الْبَقَرَةِ، وَنَوْعَ الشَّجَرَةِ الَّتِي كَلَّمَ اللَّهُ مِنْهَا مُوسَى، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَبْهَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ مِمَّا لَا فَائِدَةَ فِي تَعْيِينِهِ تَعُودُ على المكلفين في دينهم ولا دنياهم.
وَلَكِنَّ نَقْلَ الْخِلَافِ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
(1) منها ما رَوَى طَاوُسٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا الْعَشَرَةُ الَّتِي مِنَ الْفِطْرَةِ: المضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالْفَرْقُ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَالِاسْتِطَابَةُ، وَالْخِتَانُ، وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ.
وقيل: حَلْقُ الْعَانَةِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَغُسْلُ يَوْمِ الْجُمْعَةِ، وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَالسَّعْيُ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ، وَالْإِفَاضَةُ. وَرُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا.
وقيل: هِيَ الْخِصَالُ السِّتُّ الَّتِي امْتُحِنَ بِهَا الْكَوْكَبُ، وَالْقَمَرُ، وَالشَّمْسُ، وَالنَّارُ، وَالْهِجْرَةُ، وَالْخِتَانُ. وَقِيلَ: الذَّبْحُ لِوَلَدِهِ، قَالَهُ الْحَسَنُ. وقيل: مَنَاسِكُ الْحَجِّ، رَوَاهُ قَتَادَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وقيل: غير ذلك .... وقال أبو حيان: وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ يَنْبَغِي أَنْ تُحْمَلَ عَلَى أَنَّ كُلَّ قَائِلٍ مِنْهَا ذَكَرَ طَائِفَةً مِمَّا ابْتَلَى اللَّهُ بِهِ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ كُلُّهَا ابْتَلَاهُ بِهَا، وَلَا يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى الْحَصْرِ فِي الْعَدَدِ، وَلَا عَلَى التَّعْيِينِ، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إِلَى التَّنَاقُضِ. وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي فَسَّرَ بِهَا الْكَلِمَاتِ، إِنْ كَانَتْ أَقْوَالًا، فَذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي تَسْمِيَتِهَا كَلِمَاتٍ، وَإِنْ كَانَتْ أَفْعَالًا، فَيَكُونُ إِطْلَاقُ الْكَلِمَاتِ عَلَيْهَا مَجَازًا، لِأَنَّ التَّكَالِيفَ الْفِعْلِيَّةَ صَدَرَتْ عَنِ الْأَوَامِرِ، وَالْأَوَامِرُ الإلهية كَلِمَاتٌ. البحر المحيط في التفسير (1/ 600)
(2) تفسير ابن كثير ط العلمية (1/ 284)