فهرس الكتاب

الصفحة 582 من 604

مَجَازٌ عَنْ تَمْكِينِهِ مِنَ اخْتِيَارِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ: مَا يُرِيدُ اللَّهُ، وَمَا يَشْتَهِيهِ الْعَبْدُ، كَأَنَّهُ امْتَحَنَهُ مَا يَكُونُ مِنْهُ حَتَّى يُجَازِيَهُ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ. انْتَهَى كَلَامُهُ، وَفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزَالِ. [1]

ففي عقيدة القوم أن الاختيار للعبد في أفعاله دون حكم القدر، وهكذا شطره الحق وأصله الباطل، فالرب سبحانه يعلم ويقدِّر؛ وعلمه وقدره نافذيْن، والعبد يفعل لا عن جبرٍ؛ وهو محاسَبٌ على فعله واختياره دون ظلمٍ. وهذا اعتقاد أهل الحق، وله ذيول ومناقشات محلها كتب العقيدة، وإنما أردت التنويه على دسائس الزمخشري في كتابه التي لا يتفطن لها سوى المحققين رغم قوة الرجل في علوم البلاغة القرآنية، وقد علَّمَنا علماؤنا الإنصاف.

وقِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّ الْفَاعِلَ هنا هُوَ الرَّبُّ سبحانه {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ ... } ، وَتَقَدَّمَ مَعْنَى ابْتِلَائِهِ إِيَّاهُ أنه اختباره ليظهر كيف يفعل وهو أعلم به. [2] قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَدَّمَ الْمَفْعُولَ لِلِاهْتِمَامِ بِالذي وَقَعَ عليه الِابْتِلَاءُ، إِذْ مَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْمُبْتَلِي. وَإِيصَالُ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ بِالْفَاعِلِ مُوجِبٌ لِتَقْدِيمِ الْمَفْعُولِ. انْتَهَى كَلَامُهُ، وَكَوْنُهُ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ تَقْدِيمُ الْفَاعِلِ هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ من علماء النحو. وَقَدْ جَاءَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مِثْلِ: ضَرَبَ زَيْدًا سيدُهُ، وَقَدْ طَوَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَيْسَتْ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُطَوَّلُ فِيهَا لِشُهْرَتِهَا فِي الْعَرَبِيَّةِ.

(1) البحر المحيط في التفسير (1/ 599)

(2) قال العلامة الراغب: وسمي التكليف بلاءً من أوجه:

-أحدها: أن التكاليف كلها مشاق على الأبدان، فصارت من هذا الوجه بلاء.

-والثاني: أنها اختبارات، ولهذا قال الله عز وجل: {ولنبلوكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} [محمد/31] .

-والثالث: أن اختبار الله تعالى للعباد تارة بالمسار ليشكروا، وتارة بالمضار ليصبروا، فصارت المحنة والمنحة جميعا بلاء، فالمحنة مقتضية للصبر، والمنحة مقتضية للشكر. والقيام بحقوق الصبر أيشر من القيام بحقوق الشكر فصارت المنحة أعظم البلاءين، وبهذا النظر قال عمر: (بلينا بالضراء فصبرنا وبلينا بالسراء فلم نشكر) ، ولهذا قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: من وُسِّع عليه دنياه فلم يعلم أنه قد مُكِر به فهو مخدوعٌ عن عقله .... فإذا قيل في الله تعالى: بلاه كذا وأبلاه وابتلاه، فليس المراد منه إلا ظهور جودته ورداءته، وإظهار أمر ذلك، دون التعرف لحاله، والوقوف على ما يُجهل من أمره إذ كان الله علام الغيوب، وعلى هذا قوله عز وجل: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن} [البقرة/124] . راجع مفردات ألفاظ القرآن (1/ 117) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت